الصفحة 77 من 154

وقد قلنا إن"شيئًا"من هذا الفساد المستشري في العاصمة قد انعكس على المجتمع .. ولكنه شيء ضئيل بالقياس إلى هذا الفساد . فلئن كانت الخمر والجواري واللهو والطرب هي"المودة"في قصور العاصمة ، التي تنفق فيها الأموال وينفق فيها الجهد البشري ، فقد كان في تلك العاصمة ذاتها علماء يعكفون على عملهم بعيدًا عن ضوضاء القصور وزخارفها ، يترجمون ويؤلفون ويتابعون أبحاثهم في مراصدهم ومعاملهم ومكتباتهم الخاصة .. وكان فقهاء يعكفون على دراسة الفقه ويتبحرون فيه ويضيفون إلى تراثه بروح إسلامية خالصة .. وكان جغرافيين يجوبون الأرض ليكتشفوا أرض الله الواسعة ويكتبوا عنها كتابة علمية جادة مخلصة تتميز بالأمانة العلمية والدقة في التحصيل والتسجيل . وكان دعاة يجوبون الأرض ليدعوا الناس إلى الإِسلام في"الصين"و"أندونيسيا"وغيرهما من أقاصي آسيا ، وفي السودان شرقه وغربه من المحيط إلى المحيط .. وكان مجاهدون يدخلون المعارك ضد أعداء الإِسلام في كل مكان .. ثم كان"الفرد العادي"في المجتمع ، في المدن والريف والبيداء مسلمًا يعيش بروح الإسلام ويحكّمها في حياته ، يتجنب الحرام ويسعى إلى الحلال ، مسترشدًا بهدي الله ورسوله ، ومحافظًا على تقاليد المجتمع المستمدة من تقاليد الإسلام .

وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن هذا المجتمع كان مثاليًا وفاضلا في جميع تصرفاته .. فذلك لم يحدث في أي مجتمع في الأرض في أية فترة من فترات التاريخ .. ولا المجتمع الذي رباه على عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكن معناه أن الخير فيه يغلب على الشر .. ونوازع الرفعة تغلب على نوازع الهبوط .. والتقاليد الفاضلة تغلب على التقاليد المنحلة .

كان هذا المجتمع في مجموعه أدنى درجة من مجتمع العصر الأموي .. ولكنه بعد مجتمع"مسلم"يعيش على مفاهيم الإِسلام ، مع درجات من الانحراف في هذه المفاهيم هنا أو هناك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت