الصفحة 83 من 154

لقد صدمت الهزيمة نفوس المسلمين وهزتها هزة عنيفة .. مع أنها لم تكن أول هزيمة حربية في التاريخ . فمن قبل ارتدت الجيوش الإِسلامية مرات أمام هجمات الصليبيين . ولكن المسلمين في كل مرة كانوا يحسون أنها هزيمة مؤقتة ، سببتها كثرة الجيوش الغازية أو مفاجأتها للمسلمين على غرة . وكان في حس المسلمين دائمًا أنها فترة قصيرة ريثما تستعد الجيوش الإِسلامية وتتدفق على خطوط القتال .. ثم يأتي النصر من عند الله بعد أن تتهيأ النفوس للمعركة والفداء .

وكان ذلك يحدث بالفعل في كل مرة ..

يهب المسلمون وتتدفق الجيوش في حمية فائرة دفاعًا عن العقيدة .. ويأتي نصر الله كسابق وعده للمؤمنين .

ومن ثم كان المسلمون يحافظون دائمًا على استعلائهم ، حتى والهزيمة حائقة بهم ، فما كان يخالجهم الشك في أنهم الأعلون . وأنهم في النهاية هم المنتصرون .

وكان تكرار النصر بعد كل هزيمة مؤقتة يؤكد هذا المعنى في نفوسهم توكيدًا ، ويرسخ في شعورهم الاستعلاء بالإِيمان ، والاعتزاز بأنهم مسلمون . وكانوا ينظرون إلى الجيوش الغازية - مهما كانت قوتها وعدتها وعتادها - على أنها مجموعة من البرابرة المتأخرين ، الذين لا يعرفون الله حق معرفته ، ومن ثم فهم مخلوقات أدنى منهم ، ولو خدمتهم ظروف المعركة فترة من الوقت وغلّبتهم على المسلمين .

وكانوا ينددون تنديدًا عنيفًا بتقاليدهم المنحلة وأخلاقهم الفاسدة ، وكان من أشد ما ذكره المقريزي في التنديد بهم أنهم قوم فاقدو الرجولة ، فتجد الواحد منهم يصحب امرأته في الطريق حاسرة الوجه والصدر والذراعين فيقابلهما صديق لزوجته ، فيتنحى الزوج ليترك امرأته وصديقها يتبادلان الحديث ، حتى إذا انتهيا عاد فتأبط ذراعها وسار في الطريق !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت