وكان هذا بطبيعة الحال دنسا وانحلالا خلقيًا في نظر المسلمين ، وفقدانًا لمعاني الشرف في ذلك المجتمع الغربي ، لا يسيغونه هم ، ولا يكادون يتصورون أنه ممكن الحدوث (1) .
وكذلك ظلت العقيدة مستعلية في نفوس المسلمين ، وظلوا يحسون بالعزة التي قررها الله لذاته - سبحانه - ولرسوله وللمؤمنين ، حتى في ساعات الحرج والكرب حين كانت جيوش الصليبيين تتدفق كالسيل من الجرف المنهار . وكانوا يحسون أن كل تقاليد غير تقاليدهم لوثة لا ينبغي أن تصيبهم ، ورجس لا ينبغي أن يدنس أرض الإِسلام .
ولكن الأمر لم يكن كذلك بعد الحملة الفرنسية ..
كانت العقيدة راسخة في نفوس المسلمين . نعم . ولكنها كانت - تحت الحكم التركي - قد جمدت وتحجرت كما قلنا في الفصل السابق . ولم تعد لها مرونتها الحياة التي كانت تتسم بها في جميع العصور . وتحولت إلى مجموعة من التقاليد - المقدسة المظهر - التي لا تحمل في طياتها رصيدًا حقيقيًا كبيرًا من الحركة الحية الفاعلة في عالم الواقع .
ثم كانت الهزيمة الحربية التي وقعت بالمماليك على يد نابليون في امبابة ، إيذانا بالهزيمة الداخلية .. هزيمة العقيدة في داخل النفوس .
لقد رُوّع المسلمون بمدافع نابليون .. وبدت لهم سيوف المماليك هذرًا فارغًا إزاء تلك المدافع الجديدة التي لم يكونوا يعرفونها ، أو يتصورون وجودها في يد الأعداء .
وانقلب ميزان القوى انقلابًا عنيفًا في نفوسهم .
فتلك هي المرة الأولى التي تنهزم فيها جيوش المسلمين"عن جدارة"وتتغلب جيوش الصليبيين لأنها تملك"قوة"حقيقية من العتاد والفن الحربي و"المعرفة"لا يملكها المسلمون .
ولقد كان ممكنًا مع كل ذلك ألا يتغير الميزان في داخل النفوس .
(1) انظر كيف انقلب الميزان في نفوس المسلمين بعد ذلك فصاروا يرون هذا الدنس ذاته تقدما ورقيا وروحا اجتماعية عالية !