الصفحة 85 من 154

كان ممكنًا أن تصمد النفوس للهزيمة ، ريثما تتجمع للانقضاض من جديد .. كما حدث مرات كثيرة من قبل . ولكن"الرصيد الداخلي"للعقيدة في تلك الفترة لم يكن من القوة بحيث يصمد للصدمة ويتجمع من جديد .

حقًا .. لقد قام الشعب بمقاومة باسلة للحملة الفرنسية . وثارت القاهرة بزعامة"رجال الدين"وتأثيرهم الروحي .. وحدثت بطولات عجيبة أروعها بطولة"الفتى الصغير"في الصعيد ، الذي ظل بمفرده يدلف كل ليلة إلى معسكر الأعداء ، فيدخل مخزن الأسلحة ، ويستولي على بنادق الفرنسيين ، ويعود سابحًا في الترعة إلى أهله ليتسلحوا بها في مقاومة المحتلين . حتى إذا بان النقص في الأسلحة ترصد الحراس للمتسللين وهم يظنونهم عصابة هائلة ، فإذا بهم يفاجأون بهذا الصبي وحده يصنع هذا الصنيع ! وانقضوا عليه يحاولون القبض عليه فقاوم حتى انكسرت ذراعه ، وحملوه إلى قائد الحملة ( ديزيه ) فلما رآه أخذ بشجاعته وبطولته ، وعرض عليه أن يتبناه فرفض لأنه كافر . فعرض عليه أن يتكره على ألا يعود إلى سرقة السلاح فرفض أن يعده بذلك ما دام الكفار باقين في البلاد ! وأخيرًا أطلق سراحه على أن تشدد الحراسة على السلاح !

حقا .. لقد حدث كل ذلك . ولكنه كان أشبه بالأعمال"الفردية"الفدائية . أما"الكيان"الحقيقي للدولة المسلمة المقاتلة ، التي تنظم القتال وتجيش الجيوش ، وتقف للغزاة بوصفها"دولة الإسلام".. أما ذلك كله فكان قد ذاب في معركة إمبابة ، ولم يعد له وجود .

وأحس المسلمون بالهزيمة حتى وهم يرون الغزاة ينسحبون .

لم تكن الهزيمة الحقيقية هي هزيمة الحرب .

فقد وضع نابليون في فترة إقامته في مصر"قانونا"جديدًا يُحكم به المسلمون غير شريعة الله . قانونا مستمدًا من التشريع الفرنسي . وحصر تشريع الله في أمور"الأحوال الشخصية"من زواج وطلاق وميراث ...

وكانت تلك هي المرة الأولى في تاريخ المسلمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت