المرة الأولى التي يحكمهم فيها قانون غير قانون الله ، يضعه وينفذه قوم غير مسلمين !
لقد كان الصليبيون يدخلون الأراضي الإسلامية أحيانا ، ويبقون فيها في بعض الأحيان سنوات ، بل وصل بهم الأمر قبيل صلاح الدين أن يقيموا لهم دويلات على شاطئ البحر الأبيض في بلاد الشام . ولكنهم لم يجرؤوا قط في أية مرة أن يضعوا قانونا من عندهم يحكمون به المسلمين . فقد كانوا في كل مرة غزاة انتهبوا قطعة من الأرض ، ولم يكونوا قط"دولة"حاكمة مسيطرة في الأرض .
وفي هذه المرة كانوا - لأول مرة - دولة حاكمة في أرض الإِسلام ، بعد أن أطاحوا بالدولة المسلمة ، وذوبوها في ميدان القتال .
وكان هذا بدء الهزيمة الحقيقية .. هزيمة العقيدة .. وبدء انحسارها في عالم الواقع ، وانحسارها - من ثم - في داخل النفوس .
وفي ظل هذه الهزيمة وتلك كان"الانبهار"الذي أحدثته الحملة الفرنسية في نفوس المصريين . انبهار بقوة السلاح أولا ، وانبهار"بالعلم الغربي"الذي حمله رجال البعثة المرافقة للحملة ، وانبهار بالمطبعة التي جاء بها نابليون إلى مصر ، وانبهار بالتنظيمات التي أحدثها .. وفي كلمة واحدة انبهار بكل ما جاء من"الغرب"وكل ما ليس بإسلام !!
وكانت هذه هي الهزيمة الحقيقية الكاملة ، التي مهدت لكل ما أحدثه الاستعمار الصليبي بعد ذلك من تدمير مخرب في حياة المسلمين وعقيدتهم ، وأفكارهم ومشاعرهم ، وسلوكهم في واقع الحياة .
لذلك لم يكن طرد الفرنسيين من مصر أو انسحابهم حدثا حقيقيا في عالم الواقع ، بعد هذه الهزيمة الداخلية التي خلفتها الحملة في نفوس المسلمين !
وهنا يجدر بنا أن نقف وقفتين قصيرتين قبل أن نمضي في استعراض التاريخ: