فقد حرص الاستعمار الصليبي أولا - وجاراه في ذلم المؤرخون المسلمون - على إخفاء العنصر الصليبي إخفاء كاملا من الحملة الفرنسية على مصر ، وما تلاها من الاستعمار الغربي على نطاق واسع في بلاد المسلمين . بل لقد وصل الأمر - في سبيل إخفاء القصد الصليبي من الاستعمار الحديث كله - إلى حد الزعم بأن الحروب الصليبية ذاتها لم تكن صليبية ( !! ) وإنما كان الدين فيها ستارًا يخفي المطامع الاقتصادية ! وتلوك هذا الزعم من ورائهم أفواه"مسلمة !"يدور أصحابها في طاحونة الاستعمار مغمضي العينين في بلاهة ، أو .. لقاء أجر معلوم !!
وحرص الاستعمار الصليبي ثانيًا - وجاراه في ذلك المؤرخون المسلمون - على القول بأن الحملة الفرنسية على مصر كانت هي الخير والبركة ، لأنها أيقظت المسلمين من سباتهم ، فأفاقوا يتطلعون إلى"النهضة". إلى"القوة". إلى"التقدم".. إلى"الأخذ بوسائل الحضارة الحديثة".. وباختصار: أيقظتهم إلى الخير في كل اتجاه .
فأما الزعم الأول فلسنا نحن الذين نرد عليه ! فنحن متهمون كيفما كان الرد !
وإنما يرد عليه الكتّاب المسيحيون أنفسهم ، في كتبهم التي يؤلفونها لتقرأ هناك .. ويطّلع عليها من يريد الاطلاع .
"روم لاندو Rom Landow"مؤلف مسيحي معاصر ؛ يعيش في أحداث القرن العشرين ، بعقلية القرن العشرين - تلك العقلية التي يقال لنا هنا في الشرق إنها قد تحررت من سخافات الدين والتعصب الديني ، وليست مثلنا متأخرة جامدة رجعية - وهو يكتب عن هذه الأحداث في الشمال الأفريقي خاصة . وله كتاب سماه"مأساة مراكش The Moroccan Drama"جاء فيه في ص 310:
"ويقول كلوسترمان وريتزر من رجال البرلمان الفرنسي إن مسيو بيدو وزير خارجية فرنسا كان ينظر إلى الحوادث الجارية في مراكش على أنها معركة بين قوى المسيحية والإسلام ولما حاولا إقناعه بوضع حد للحركة الهدامة في مراكش ، أجاب قائلا:"هذه معركة بين الهلال والصليب !""