الصفحة 107 من 224

وقال صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فبلّغها كما سمعها» . وهذا ينسحب على مقالاته صلى الله عليه وسلم على الإجمال والعموم، فما عُلِم منها ينبغي إبلاغه وتعليمه، ولا يجوز التخيّر فيه بين بعضه وبعضه، ولا يحلّ للدعاة أن تكون دعوتهم انتقائيّة، فيتبنّون من قضايا الإسلام وأحكامه ما يروق لهم دون غيره.

الضابط الثاني: الأصل في البيان أن لا يكتم أو يؤخّر عن وقته، فتأخير البيان عن وقت الحاجة تهاونٌ فيه، والمفروض أنّه متى توفّرت دواعيه لزم الصدع به، وقد قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] .

ولقد يجوز للعالم أن يترخّص في ذلك فيدع من البيان ما يعلم أنّه سيصيبه به أذىً جسيم، ولكن هذا من قبيل الرخصة، والرخصة حكم شرعيّ يعمل به بالنسبة للجزء لا بالنسبة للكلّ، فلا يجوز لمجموع الأمّة أن تترخّص بترك واجب ما، وإن جاز ذلك لآحادها، فترخّص العالم بترك الصدع بالحقّ إنّما يجوز عند قيام غيره بما يحقّق فرض الكفاية، وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله: «إذا تكلّم العالم تُقية والجاهل يجهل، فكيف يُعرَفُ الحقّ؟» .

فتأخير بعض البيان إنّما يكون لمصلحة شرعيّة حقيقيّة أو لمفسدة ترجح على مفسدة ترك الجهر به على الفور.

والواقع أنّ البيان - اليوم - متيسّر على نحو لا تعارضه فيه ما يعارض الأعمال من مفاسد، ولكن ما آسى له أنّ بعضنا يدع من البيان ما لا مفسدة فيه بالمرّة، لا لشيء إلا أنّه وطّن نفسه على منهج خاصّ في العمل الإسلامي، ولا يريد أن يخرج عنه.

لقد وجدّت من بين المنتسبين لجماعات دعويّة من لا يدري شيئًا من أمور الاعتقاد، ومنهم من يعتقد بأمور باطلة وعقائد فاسدة، كعقائد القاديانيّة والقدريّة وغيرهما، وهؤلاء ينقلون عقائدهم تلك - بغير وعي - إلى الآخرين، فجماعاتهم لا تقيم شيئًا لتعلّم أمور الاعتقاد، ومن ثمّ تُتَداولُ بينهم هذه العقائد الفاسدة على أنّها الحقّ، دون أن يجدوا من ينبّههم إلى بطلانها.

ومثلهم الذين يَدَعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوى ما يترتّب عليه من مفسدة، ولا شكّ أن ما كان من ذلك جالبًا لمفسدة أكبر يترك، ولكنّهم يدعون هذه الفريضة مطلقًا، حتّى فيما لا تترتّب عليه أيّ مفسدة تُذكَر!!

ومنهم الذين يخذلون الجهاد وأهله، حتّى صار الطعن عليهم عندهم ثابتًا من ثوابتهم، ومن هؤلاء من يحتجّ بأنّ الظرف لم يحن بعد، وانّ هذا الذي يجري نوعٌ من التهوّر والجنون، إذ لم يبلّغ أصحابه حدّ القدرة ومبلغ الاستطاعة، وأودّ لو أن أصدّقهم أنّهم ينكرون التعجّل لا الجهاد نفسه، غير أنّي ما رأيت لهم ما يدلّ على صدق عزمهم، حتّى لو وفّرت لهم تلك الاستطاعة، بل وما رأيت في أدبيّاتهم وأعمالهم اكتراثًا بما يجب من التعليم والتربية، باتّجاه الإعداد لهذا اليوم، أم أنّه يومٌ ستتنزّل فيه الاستطاعة من السماء، أو يُنبت لهم فرسان من الأرض، بينما القوم ها هنا تنتفخ أوداجهم - فوق منابرهم - شجبًا للجهاد وسبًّا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت