وترتيب أطواره واشتداد عوده، وبلوغ تمامه.
ولا هو مطلق من أحكام العقل، التي تقضي بأنّ رفع البناء يلزمه أسس وقواعد وعماد.
ولا هو مطلق من قياسات المصالح والمفاسد، ما كان ذلك في إطار الشرع، وبصدق مع الله وصدق من النفس.
لكن هل أنت متروك أن تبني وأن تؤسّس، دون أن يحاول أعداؤك أن يهدّوا كلّ مرحلة من مراحلك فيردّوك إلى أوّل أمرك بلا قاعدة أصلًا؟
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
لا شكّ هي معادلة صعبة، والوسطيّة فيها: أن لا تُهْمِلَ ما ذكرنا من قيود مع واقعيّة في التطبيق، والواقعيّة التي نعنيها: هي أن تبلغ ما ترجو - ولو بأقلّ حدّ ممكن من القدرة - قبل أن يقطع عليك عدوّك بلوغه، ولقد تكون المفاجأة المذهلة له - حين يكتشف قوّتك بعد فوات الأوان - وإحدى صور هذه المفاجأة: أن يجتمع على فريضة الله أهلُها، في اللحظة التي يعتقد الناس فيها أنّهم فرقاء متخاصمون.
فماذا بقي للذين يعطّلون الجهاد أن يحتجّوا به، وهم قد منعوه مطلقًا، إمّا لشبهة شرعيّة لا يجيزون الجهاد معها أصلًا، وإمّا لشبهة الاستطاعة التي ينبغي الحذر منها أشدّ الحذر، إذ قد تكون مجرّد تلبيس شيطانيّ يخفي فيه المرء ركونه وتثاقله إلى الأرض، أو حيلة نفسيّة تخدّر لوم النفس وتسكن تأنيب الضمير.
أمّا شبهتهم الشرعيّة فأعظم أركانها أمران:
الأوّل: أنّ هؤلاء الحكّام لا يكفرون!!
وليس في كفرهم تنحصر علّة الخروج عليهم ومجاهدتهم، وفي ما يلي جوابهم:
ما يبايع المسلمون إمامًا إلاّ ليقيم فيهم كتاب الله .. وما شُرِعت الإمامة أصلًا إلاّ لغرض إقامة الدين وسياسة الدنيا به، فإذا جاء من يريد أن يحكم المسلمين بغير شريعة الله لم تنعقد له إمامة. وإن تخلّى عن حكم الله وفوّت هذا الشرط بعد انعقاد الإمامة انعزل ووجب خلعه ولو بالمقاتلة، فإنّ الله تعالى لم يشرع قتال الكافرين ويأمر بقاتل أئمّتهم إلاّ ليزيل مناهج الكفر ويقضي على الفتنة وليكون الدين كلّه لله .. قال تعالى: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193]
لقد دلّت نصوص الشارع الحكيم على أن الطاعة لا تجب لكلّ حاكم مطلقًا، سواء في ابتداء العقد أو استدامته، أو كان الحاكم متسلّطًا تولّى الحكم بالقهر لا بالعقد ...
قال الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] فمن لم يكن من المؤمنين، أو لم يطع الله والرسول بأن حكم في الناس بغير الإسلام، فلا سمع له ولا طاعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» [البخاري] .