الصفحة 111 من 224

بما في الكتاب والسنّة أو عمل بما يناقضها فقد انتقضت بيعته لقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» [رواه البخاري تعليقًا في باب الإجارة] .

أقول: وقد قيّد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب طاعة المتأمّر ابتداءً، أو استدامة: بإقامة كتاب الله .. فعن يحيى بن حصين قال: سمعت جدّتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع وهو يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» [رواه مسلم] ، وفي رواية لأحمد: «يا أيها الناس اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا وإن أُمّر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل» .

وهذا القيد غير قيد الأمر بالطاعة الذي ورد في نصوص أخرى، فالتقييد بإقامة كتاب الله شرط لوجوب الطاعة والإقرار بإمامته ... أمّا التقييد بالأمر بالطاعة فهو بالنسبة لمن وجبت له الطاعة أصلًا، فهي - عندئذ - مقيّدة بأن يأمر بطاعة الله. فالقيد الثاني في الحقيقة هو قيد للقيد الأوّل.

قال عبدالله الدميجي: «فهذا الحديث قيّد الطاعة للإمام الذي يقود رعيّته بكتاب الله، وبناءً على ذلك فلا تجوز طاعة حاكم يحكم بغير ما أنزل الله في حكمه هذا، سواء كان هذا الحكم مخرجًا له من الملّة أو لا - كما سبق بيانه - لأنّه في كلتا الحالتين عاصٍ لا يأمر بالمعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . [الإمامة: 388] .

ومثل هذا الحديث ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنّة ويحيون البدعة ويؤخّرون الصلاة عن مواقيتها» قال ابن مسعود: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: «ليس - يا ابن أمّ عبد - طاعة لمن عصى، قالها ثلاث مرّات» [مسند الإمام أحمد، برقم 3790 بتحقيق أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح] .

ونحوه ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «سيليكم أمراءٌ من بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم، فلا طاعة لمن عصى الله» [رواه أحمد والحاكم وصحّحه الألباني في «الصحيحة» : 2/ 138] .

وفي المسند أيضًا: «لا طاعة لمن لم يطعِ الله» ، وعند ابن أبي شيبة «سيكون عليكم أمراءٌ يأمرونكم، فليس لأولئك عليكم طاعة» ، وفي رواية: «فلا طاعة لمن عصى» ..

وحيث لا طاعة ليس ثمّ ما يمنع الخروج فإنّما يمنع من الخروج وجوب السمع والطاعة .. والسمع والطاعة إنّما يجب بالبيعة أو بتسلّط وتغلّب مسلم يقود الأمّة بكتاب الله فيجب على الأمّة مبايعته والسمع له وطاعته، فلا سمع ولا طاعة إلاّ ببيعة، سواء كانت ابتدائيّة أو بحكم تغلّب من يصحّ أن تنعقد له بيعة.

قال ابن خلدون: «إعلم أنّ البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره» [مقدّمة ابن خلدون، 209] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت