الصفحة 112 من 224

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنّا نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألاّ نتنازع الأمر أهله، إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان [متّفق عليه] .

هذا وكلّ الأحاديث جاءت تأمر بطاعة الأئمة، والصبر على جورهم، وعدم منازعتهم الأمر .. يجب أن تُحمَل على أنّها جاءت فيمن كان مسلمًا محقّقًا لمقصود الإمامة. فإنّ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم تتنزّه عن أن تأمرنا بالسمع والطاعة لمن كان كافرًا، أو حاكمًا فينا بغير ما أنزل الله، مرغمًا لنا على الخضوع لغير شريعة الله .. فهذه الأحاديث إنّما هي فيمن كان فيه شيء من الجور أو الفساد الذي لا يبدّل بمقتضاه أحكام الدين، كأن يكون فيه تقصير في حقوق الدين أو حقوق الآدميين، وهي مع ذلك تقيّد السمع والطاعة بأن يكون في المعروف.

أمّا إذا انسحب فسق الحاكم على أحكام الله، فبدّل شرائع الإسلام، وغيّر قواعد الدين، كما في الحديث «إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا» فعندئذٍ لا تجوز الطاعة أصلًا، بل يجب الخروج عليه وخلعه.

قال د. محمد نعيم ياسين: «فإذا قام حاكم وقاد الأمّة الإسلامية بغير كتاب الله عزّ وجلّ، لم يكن له سمع ولا طاعة ولم يجز السكوت عليه .. وعلى هذا الذي قدّمنا يمكن أن تُحمَل جميع الأحاديث التي تنهى عن الخروج على الحكّام المسلمين ويكون المقصود بها أنّه لا يجوز الخروج عليهم ما داموا يقيمون الدين في الأمّة، وإن صدر منهم ما يُعدّ معصية، ولو كان ذلك من الكبائر، ولا يُستثنى من ذلك إلاّ أن يترك الحاكم الصلاة وإقامتها في الناس والدعاء إليها، فإن تركها حاكمٌ وجب القيام عليه حتّى ولو كان يقيم بقيّة أمور الدين في الرعيّة، لأنّ هذه الكبيرة قد ورد النصّ عليها .. » وقال: «وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام: «إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا» فالبواح: هو الظاهر البادي من قولهم: باح بالشيء يبوح به بواحًا، إذا أذاعه وأظهره .. وأمّا الكفر المذكور في هذا الحديث فقد اختلف العلماء في المقصود منه: فمنهم من حمله على الخروج من الملّة، ورأى أنّه لا يجوز الخروج على حاكم مسلم ما لم يظهر منه ما يستوجب إخراجه من ملّة الإسلام، ومنهم من قال المراد بالكفر هنا المعصية، وممّن فسّره بذلك الإمام النووي، فقد قال: «والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى «عندكم من الله فيه برهان» أي: تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلاّ أن تروا منهم منكرًا محقّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم فأنكروه عليهم، قولوا بالحقّ حيثما كنتم»، ويؤيّد ما ذهب إليه النووي أنّ هناك بعض الروايات الأخرى للحديث جاء فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «إلاّ أن يكون معصية لله بواحًا» ، وجاء في رواية عند الإمام أحمد قوله عليه الصلاة والسلام: «ما لم يأمروك بإثم بواحًا» .

ويؤكّد - كذلك - هذا التفسير لمعنى الكفر في هذا الحديث أنّه أُطلق في كثير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت