الأحاديث الأخرى على المعاصي .. » إلى أن قال: «وإذا حملنا الحديث على هذا المعنى الأخير للكفر البواح؛ استطعنا التوفيق بين مختلف الأحاديث المتعلّقة بهذا الموضوع، ويكون عندئذ المقصود المعاصي التي تخرق قواعد الإسلام، وتشكّل منهجًا مستقلًا في الانحراف أو الدعوة إلى المنكر والبدعة» . ا. ه. [بنصّه مختصرًا من كتاب «الجهاد» ص206 - 208] .
والمقصود بيان أنّ الحاكم بغير ما أنزل الله ليس بإمام وواجب على المسلمين خلعه سواء أخرجه تركه لحكم الله من الملّة أو لم يخرجه.
قال صاحب الإمامة العظمى وهو يعدّد أسباب عزل الحاكم: وهذا السبب أيضًا كالذي قبله مستوفي الصور من الحكم بغير ما أنزل الله المخرجة لفاعلها من الإسلام، وكذلك الصور التي لا تخرجه من الملّة وقد سبق بحث هذه الصور وتفنيدها .. والذي يدلّ على أنّ هذا السبب موجبٌ لعزل الإمام بجميع صوره المكفّرة والمفسّقة هو ورودها مطلقة في الأحاديث النبويّة الصحيحة الآتية:
1 -عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشيّ كأنّ رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله» [البخاري] .
2 -عن أم الحصين الأحمسيّة رضي الله تعالى عنها قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع .. إلى أن قالت: ثمّ سمعته يقول: «إن أُمِّر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت أسود - يقودكم بكتاب الله؛ فاسمعوا له وأطيعوا» ، وفي رواية الترمذي والنسائي سمعته يقول: «يا أيّها الناس اتّقوا الله، وإنْ أُمِّر عليكم عبدٌ حبشيّ مجدع، إسمعوا له وأطيعوا، ما أقام فيكم كتاب الله» [مسلم والترمذيّ] .
فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنّه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيّته بكتاب الله، أمّا إذا لم يحكم فيهم بشرع الله فهذا لا سمع له ولا طاعة وقد وجب عزله، وهذا في صورة الحكم بغير ما أنزل الله المفسّقة، أمّا المكفّرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة كما سبق في السبب الأوّل (ذكر السبب الأوّل قبل هذا وهو أن يطرأ عليه الكفر) ، والله أعلم.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عن رجل تولّى حكومة على جماعة من رواة البندق، ويقول هذا شرع البندق، وهو ناظر على مدرسة وفقهاء، فهل إذا تحدّث في هذا الحكم والشرع الذي ذكره تسقط عدالته؟ فأجاب:
«الحمد لله، ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك .. إلاّ بحكم الله ورسوله ومن اتّبع غير ذلك تناوله قوله تعالى: {أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون} وقوله تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا} .
فيجب على المسلمين أن يحكّموا الله ورسوله في كلّ ما شجر بينهم .. ومن حكم