تحقق التوحيد والإيمان، والهزيمة هي التراجع عن قيم الإيمان والتوحيد، وتلك هي حكاية الحياة.
هذا الكلام لا نقوله حتى نعيش الوهم أننا في نصر، لا والله، فنحن نعلم أن دولة للإسلام قد زالت اليوم، وأن شبابًا للإسلام قد قتلوا وسجنوا، وأن الكثير من أهل الإسلام في تشرد ومطاردة، كل هذا نعلمه، لكن نعلم كذلك أننا في هذه المحنة حققنا أعظم نصر منذ أن سقطت الخلافةالإسلامية.
ذلك أنه لما سقطت الخلافة الاسلامية كانت هزيمة لأهل الاسلام منكرة، لا لأن دولة الاسلام قد زالت فحسب، فهذا أمر سنني في تداول الخلق، كما قال تعالى: {وتلك الايام نداولها بين الناس} ، وكما قال العربي قديما:"يوم لنا ويوم علينا ... يوم نساء ويوم نسر"... لكن الهزيمة العظمى يومها حين تراجع الاسلام في نفوس أهله، وحين صارت المعركة لها رايات أخرى غير راية الاسلام، وحين ارتد الناس الى جاهليتهم فتلك والله كانت الهزيمة الكبرى الشنيعة.
حين ضاعت فلسطين في النكبة الأولى كانت هزيمة وأي هزيمة؛ فقد جالت فينا الشياطين جولتها، وانتشر الالحاد بين الشباب، ودخلت المفاهيم والعقائد الغربية الينا؛ فهذا شيوعي وهذا بعثي وهذا قومي وهذا يميني وهذا يساري وهكذا، هذه هي الهزيمة في الدنيا والآخرة.
أمتنا طردت الاستعمار الأجنبي من الأرض في مطلع القرن الماضي، فهل كان خروجه واستقلال البلاد كما سموه نصرا؟!
لا والله بل هو تكريس للهزيمة، لأن الإسلام لم يكن هو البديل عن حكم الكافر الأجنبي، بل ابتلينا بكافر مرتد أقذر وأشنع وأسوأ من الكافر الأصلي.
إذا تأملت هذا يا عبد الله وأنعمت فيه النظر علمت ما هو ميزان الحكم على الحوادث والنوازل، ثم علمت ما هو النصر على حقيقته وما هي الهزيمة على حقيقتها.
ثم تأمل قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} فماذا ترى النصر وقرينه في هذه السورة الجليلة؟
إنه: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} .