الصفحة 73 من 224

العذاب الدنيوي، فمن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة) [1] .

فالمؤمن لا تكسره الإبتلاءات والمحن وإن بدت أنها قضت عليه وانتهى، بل هي تميله مع بقائه على أصله، وأما الكافر فإن عذاب الله تعالى في الدنيا يقضي عليه ويزيله، وهذا الأمر لو أخذته على فهم السنة الإلهية الكونية في الخلق لرأيته ينطبق تمام الانطباق لا يُخرم أبدًا، فكم من أمة كافرة عظيمة القوة والسلطان مرت على هذه الأمة، فهل ترى لهم اليوم ذكرًا أو وجودا؟ لا، بل ذهبوا وبادوا وصهرتهم الأمة حتى لو طال زمانهم في أرضنا، وبقيت هذه الأمة عصية على الافناء والدمار والزوال، وكان أشد ما أصابها هو تبديلها لدينها في محنة التغريب الأخيرة حيث حلت فينا قيم الجاهلية، وخرجت طوائف من هذه الأمة تلحق بالمشركين، ولكن بفضل الله ها هي جموعٌ من الأمة تعود لدينها، بل ودينها الصحيح الذي تعرفه من خلال توحيد الله تعالى والبراءة من المشركين.

وإن سبب هذا الأخذ الشديد إنما هو الظلم، فالظلم هو سلطان الله تعالى بلحوق العذاب على القرى، وهو أسرع ما يأتي بالنقمة، وإنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) [2] .

وإن من مكر الله تعالى بهؤلاء أن يأخذهم وهم في أوج سلطانهم، كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته} ، فماذا كان لقارون وهو في وهمه؟ والناس يتمنون ماله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم} .

أما أهل الدين والعلم بعواقب الظلم والكفر والطغيان فهم الذين نظروا الى رضى الرحمن: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون} .

إي والله ولا يلقاها إلا الصابرون.

في الزينة وبين قومه كان العذاب: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} .

(1) حديث في الصحيح

(2) حديث صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت