هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، قناعتي الأكيدة، والتي تزداد يومًا بعد يوم في أن المحققين المتأخرين عالة على المتقدمين، ورأس ما يفعله المتقدم في التحقيق، هو جمع طرق الحديث، ورواياته، والبحث عن رجاله، ليتوصل إلى ما توصل إليه المتقدمون، بل من الجهل، أن يقوم الإمام علي بن المديني، أو أحمد، أو الدارقطني، أو الترمذي، أو غيرهم بالحكم على رجل، فيجنحوا إلى تضعيفه، أو توثيقه، ثم يأتي أحد المتأخرين في هذا العصر فيخالفهم في ذلك، ويريد من الأمة أن تأخذ برأيه.!!
عجبًا عجبًا، أيترك قول من عاشر الرجل المحكوم عليه، بتضعيف، أو توثيق وأكل، وشرب معه، وقابله، وعامله، وخالطه وعرفه حق المعرفة، أو خالط وعرف من حكم عليه حق المعرفة، ويذهب إلى قول من أتى بعد الرجل المحكوم عليه بتضعيف أو توثيق، بمئات السنين، سبحانك هذا بهتان عظيم.
إن قول ابن حبان صحيح أو ضعيف، مقدم على مئات الأقوال، الصادرة من المتأخرين، حتى وإن قالوا ابن حبان متساهل في ذلك، فلا تقبل منهم هذه الكلمة على ابن حبان، لأنهم ليسوا ممن بدأها وعرفها إنما هم ناقلون، ولكن تقبل ممن عاصر ابن حبان رحمه الله، وممن حكم عليه من السلف، وأما الخلف فهم نا قلون كما قلت، فالنقل عن الناقل أمر مزعج أحيانًا، إن لم يكن دومًا.
فالسلف، حفظوا فحكموا، والخلف اقتنوا جهاز (الحاسب) فحكموا وغَلّطوا السلف فشتان بين الثرى والثريا، وبين من شيخه العلماء، وبين من شيخه (حاسبه) ومتى كان من ذوي الجرح والتعديل، وتقويم الرجال، والحكم عليهم، من كان شيخه حاسبه كما قال صاحب الطلائع حفظه الله تعالى، وعلى كل حال يصل الباحث الجديد إلى نتيجة قد سبق إليها بقرون