وقال: «والسنن الربانية لا تحابي أحدًا من الخلق، مهما زعموا لأنفسهم من مسوّغات تسوغ المحاباة ...
ولقد جرت السنة الربانية على الأمة الإسلامية حين جنحت إلى الترف وأخلدت إلى الأرض، لأن سنن الله لا تتبدل ولا تتحول: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} ».
ولم يقف الأمر عند هذا كما ذكر ولكن «كان الترف القتَّال من جانب، مصحوبًا -أو متبوعًا- برد فعل خطر على الجانب الآخر، هو الانزواء والانصراف عن العمارة المادية للأرض، وعن اتخاذ أسباب القوة المادية، بحجة أن الدنيا ملعونة لأنها تصرف الناس عن الآخرة. وبذلك كانت الحضارة تنهار من جانبيها في وقت واحد: الجانب الروحي والمعنوي -جانب القيم والأخلاق والمبادئ- يفسده الترف المنحلّ، والجانب المادي والحسيّ تفسده الصوفية المنصرفة عن تعمير الأرض» .
وأوضح المؤلف أن هذا كان «من أسباب الضعف الذي أغرى أعداء الأمة الإسلامية، فجاءوا من الشرق والغرب يحاولون القضاء على دين الله» .
ثم حدثت بذلك كما قال «موجة من الانحسار الشامل في كل ميدان» .
ثم استطرد قائلًا: «واستمر هذا الواقع عدة قرون، والعالم الإسلامي ينحدر كل يوم، وأعداؤه يتقوون على حسابه، ويتحولون من الدفاع إلى الهجوم، ويقتطعون كل يوم قطعة من العالم الإسلامي، يستذلونها ويستعبدونها، ويحاولون القضاء على الإسلام فيها. ثم استيقظ العالم الإسلامي على الصدمة، حين وجد كل شيء في داخله ينهار ويقع في قبضة الأعداء» .
وأوضح أن هذه الصدمة «أحدثت هزيمة داخلية عنيفة لم يفق منها"المسلمون المعاصرون"بعد، إلا الذين رجعوا إلى حقيقة هذا الدين، ومارسوا تلك الحقيقة في عالم الواقع. تلك الهزيمة الروحية هي التي مهدت في نفوسهم لتقبل الغزو الفكري بلا مناقشة ولا تدبر ولا تفكير» .
وقال إن «من بين المفاهيم الضالة التي أدخلها الغزو الفكري في قلوبهم ورؤوسهم مفهوم الحضارة وعمارة الأرض. لقد توهموا -بتأثير الغزو الفكري- أنهم تأخروا لأنهم كانوا مسلمين» .
وأكد أن هذا الوهم بعيد عن الحقيقة وأن «بعدهم عن حقيقة الإسلام لهو الذي أدى بهم إلى ذلك التخلف المعيب» .
وعن نتيجة هذا الوهم قال: «ولكن هذا الوهم جعلهم يبحثون عن الحلول لا في إسلامهم -الذي انسلخوا منه- وإنما في الحضارة الغربية، أي في الجاهلية المعاصرة» .