تقف جهود نور الدين في حلب عند حد العناية بإنشاء المدارس الحنفية والشافعية، بل إنه كان حريصًا على أن يستفيد من جهود علماء السنة على اختلاف مذاهبهم في محاربة الفكر الشيعي، والتمكين لمذهب السنة ولذلك كان يعتني أيضًا بعلماء المالكية والحنابلة وفقهائهم، فأوقف زاويتين بالمسجد الجامع في حلب، وخصص إحداهما لفقهاء الحنابلة والأخرى للمالكية وبذلك نجح نور الدين في التخفيف من حدة الصراع المذهبي بين المذاهب السنية المختلفة وتوحيدها في جبهة واحدة ووفقه الله في توحيد جهود علماء السنة لمحاربة الفكر الشيعي )) [1] .
(لقد وسع نور الدين محمود جبهة المواجهة تحت راية أهل السنة والجماعة واستطاع أن يرص الصفوف ويوحد الجهود أمام الأخطار الداخلية، والخارجية وحقق الأجواء الصالحة لكي ينجح مشروع أهل السنة والجماعة النهضوي الذي تبناه إن التقليد والتعصب من أعظم أسباب التفرق والإنحراف عن منهج الله الرباني، ومن أهم العوامل التي أدّت إلى انتشار البدع والأهواء بين الناس، ففشت في أوساطهم، وحالت بينهم وبين سماع الحق والهدى، وتركوا بسببها طريق الكتاب والكريم والسنُّةَ المطهرة، التعصب اللذان يؤديان إلى مهاوي الردى ويقودان صاحبهما إلى مسالك الغواية والضلال ويصّدان عن اتباع النور والهدى فتكون النتيجة تخبطًا وانتكاسًا في الدنيا، وهلاكًا وخسرانا في الآخرة. لقد انتشر مرض التعصب والتقليد في شعوب الأمة الإسلامية، لا سيما في العصور المتأخرة، وأصبح هو الأساس والأصل ونتج عن تفشيه نتائج وخيمة وأمور جسيمة وخطيرة ومن أشدها عدم قبول الحق، وردّه إذا جاء من المخالف وقد قام نور الدين محمود بمعالجة ومحاربة التعصب وفي حقيقة الأمر محاربة لأسباب الفرقة وبالتالي خطوة نحو الأخذ بأسباب النهوض، فعلى المهتمين بأمر نهوض الأمة معالجة هذه الأمراض المعضلة من التعصب وغيرها التي كانت سببًا في تفريق الأمة شيعًا وأحزابًا) [2] .
(1) السيرة الزنكية - (ج 1 / ص 316) .
(2) السيرة الزنكية (ج 1 / ص 368) .