فلقد برز هنا مصطلح أهل السنة بقوة و تم توسيعه ليشمل كل من هو عدا الرافضة ,ويبين ابن تيمية أهل السنة الخاصة والعامة فيقول [1] ــ بتصرف يسير ــ (أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة ـــ والاصطلاح العام ـــ هو اصطلاح العامة: كل من ليس برافضي، قالوا: هو من أهل السنة) .
ومن المعلوم أن البدع تتفاوت وليست على مرتبة واحدة و هناك فرق بين من يدعو إلى البدعة وينشرها وتعتبر هي أصل مشروعه كما الخوارج والرافضة وبين مشروع الدولة الزنكية الذي كان أصل مشروعهم هو التخلص من الرافضة و الصليبيين ورفع راية السنة ولم تكن الأشعرية هي الهدف أو أصل المشروع بل جاءت نتيجة ظروف تاريخية جعلتها هي الممثل لعقيدة أهل السنة ولم تمنع أصلًا من نشر مذهب أهل الحديث والسنة بل دعمته كذلك ,إذا هنا يلزمنا التفريق بين من يتفق معنا في الغاية والهدف والمشروع ويرفع راية أهل السنة وإن لم يكن يحمل تفاصيلها التي عليها الخواص منهم وبين من لا يتفق معنا في المشروع والغاية وإنما توجه نحو الإرجاء والإنبطاح والإستسلام للصليبيين أو الإلتفاف مع الخوارج المارقين الذين هدفهم ليس دفع الصائل وإنما مجرد السيطرة والحكم وإن ادعى الفريقان النسبة إلى أهل السنة.
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه القضية فقال [2] :
(( وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ: عَلَى دَرَجَاتٍ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ. وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بِالْبَاطِلِ بَاطِلًا بِبَاطِلِ أَخَفَّ مِنْهُ وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
(1) منهاج السنة (2/ 221) .
(2) مجموع الفتاوى (ج 3 / ص 348) .