مقدمة
الحمد لله وكفي , وسلام على عباده الذين اصطفى , والصلاة والسلام على سيدنا النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد:
فإني أعتقد أن التجربة الجهادية في الجزائر , من أهم تجارب التيار الجهادي في النصف الثاني من القرن العشرين , ومن أكثر تجارب الصحوة الإسلامية المعاصرة دروسا وعبرة.
وكم أتمني أن ييسر الله لبعض من عاشها من الداخل , الأهلية والصدق والإنصاف , وأن يجنبهم غائلة التحزب والتعصب. ليكتبوا تاريخ تلك التجربة وسير أحداثها ميدانيا , وليزودوا مكتبة الصحوة الإسلامية وتراث الجهاد المعاصر , بواحدة من أهم المواد التاريخية غنى و فائدة, و دروسا تتعدى ثمراتها حدود الجزائر لتكون ذخرا لأجيال الأمة القادمة.
أما شهادتي هذه فهي تغطي أساسا جانبا مهما من تلك التجربة , و هو علاقة أنصار تلك القضية الجهادية من الجهاديين غير الجزائريين , ودورهم في نصرة ذلك الجهاد ولاسيما تجربة الذين تواجدوا في (لندن) إلى جانب (خلية لندن الجزائرية الداعمة للجماعة الإسلامية المسلحة) , وهي المجموعة التي كانت تصدر نشرة الأنصار الداعمة للجماعة الإسلامية المسلحة والتي عرفت بها , وذلك خلال الفترة (1993 - 1996) . بالإضافة لجوانب أخرى مهمة خارج ذلك الإطار في الزمان والمكان.
وتأتي أهمية هذه الشهادة بالنسبة لي من ثلاثة أوجه:
أولا: تسجيل دروس تلك التجربة الفريدة كي لا تضيع ثمار فوائدها على أجيال الجهاد القادم.
ثانيا: من أجل إيصال الحقيقة لكل من يبتغيها عن خفايا وحقائق تلك التجربة الخطيرة الأثر.
ثالثا: من أجل تبيان دوري في تلك التجربة وعلاقتي بها , ودحض ما لحق بي من تهم وتشويه لذلك الجهد الذي أفخر به وأحتسبه عند الله. وتبيان عدم علاقتي بالدور السيئ الذي لعبه بعض أنصار ذلك الجهاد في لندن خلال فترة (1994 - 1996) , حيث أود في هذه الشهادة أن أضع النقاط فوق الحروف بكل صدق وأمانة وصراحة.
ولعل سائلا يتساءل؛ لماذا تأخرت هذه الشهادة عدة سنوات إلى الآن. وهو سؤال وجيه, ولذلك قصة ..
فقد خرجت من لندن مهاجرا إلى أفغانستان أواسط 1997 بعد قيام دولة الطالبان , ورغم الظروف الأمنية الصعبة للحركة والسفر في تلك الظروف , فقد حملت معي من لندن ملف أحداث هذه التجربة الجهادية في الجزائر, والكثير ومن الوثائق الصحفية والبيانات والتفاصيل الصادرة عن مختلف الفرقاء المعنيين .. وذلك رغم أني تخففت من كثير من أشيائي الهامة. فقد كان همي الأول أن أكتب هذه الشهادة وأعلنها فور وصولي إلى أفغانستان , لما أعتقده من أهمية ذلك للجهاديين , كتجربة ودروس. وكذلك لي شخصيا لدحض ما لحق بي من التشويه والأذى , بسبب خلط الأوراق بين دوري , ودور آخرين نصروا هذه القضية بطريقتهم الخاصة (ولاسيما أبو قتادة الفلسطيني وأعوانه وتلاميذه) , وتحمّل كل من نصر هذه القضية معهم تبعات تلك الطريقة , لكوننا كنا طرفا اعتباريا واحدا فاختلطت الأمور على الناس.
وبالفعل , وصلت قندهار في أغسطس 1997 , واعتزلت في إحدى الغرف في مضافة صحراوية منعزلة , وعلى مدى عشرين يوما كتبت شهادة مفصلة بسير تلك القضية بحسب إطلاعي وما لدي من وثائق وكانت في نحو 130 صفحة ,بالإضافة إلى 65 وثيقة صحفية وبيان رسمي. وعلى مدى الأيام القليلة التالية وبعد عرضها على بعض الأخوة , نقحت وأصبحت جاهزة مع مطلع 1998. وأصبحت أتشوق لنشرها.
ولكن الذي حصل , أني بعد عرضها على العديد من كبار الجهاديين وقدماء الإخوة , من جنسيات مختلفة , وخاصة من أطراف كان لها دور وعلاقة بتلك القضية , نصحوني جميعا تقريبا بحفظها وبعدم نشرها في ذلك الوقت وذلك لسببين بحسب رأيهم:
من أجل عدم إثارة بلبلة في ساحة المجاهدين الأفغان العرب الذين كانوا يتجمعون من جديد هناك , وحيث أنهم كانوا منقسمين في الآراء حول قضية الجزائر والموقف من أطرافها وجماعاتها المتعددة. فاعتقد الإخوة أن نشر هذه التفاصيل سيثير خلافا في ساحة جديدة حول قضية قديمة , وآثروا أن لا يحصل ذلك. حتى أن بعض كبار الإخوة بالغ في رجائه بأن أؤجل النشر خوفا من تبعات ذلك.
نصحني بعض الإخوة بانتظار تتالي توفر المزيد من المعلومات والتفاصيل عن حقيقة ما جرى من أحداث الجزائر , وذلك بتتالي خروج بعض المجاهدين الجزائريين الذين شهدوا المرحلة وأحداثها بأنفسهم. وكذلك بدء تكشف حقيقة أحداث مجازر المدنيين ودور الإستخبارات الجزائرية في إحداثها , وسيطرتها على إدارة (قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة) . تلك المعلومات الهامة التي تتابع ظهورها عبر بعض العسكريين الذين شهدوا تلك المؤامرة البشعة وفروا من الجزائر ليكشفوها للرأي العام.
ونتيجة إلحاح الإخوة وشبه إجماعهم , أجلت نشر تلك الشهادة. خاصة أني طمعت بالحصول على مزيد من التفاصيل والمعلومات , مما يجعل القصة أوضح , ويجعل تحليلها أكثر فائدة وعبرة. وهكذا أُجِّل نشر هذه الشهادة , حيث كنت أطورها كلما عثرت على معلومة جديدة من شاهد عيان أو من وسائل الإعلام , حتى تكاملت وأصبحت كتابا مهما بحسب ما اعتقد كل من اطلع عليه من الخواص.
ثم جاءت أحداث سبتمبر2001 , وسقطت كابل , وأُخرجنا منها على عجل , ورغم أني تركت ورائي الكثير من الأشياء العزيزة على قلبي , حملت كتاب هذه الشهادة معي ..
ثم ساءت بنا الأحوال , وتنقلنا بالنساء والذراري ومن تبقى من الإخوة من جبل إلى جبل , ومن ملجأ إلى آخر .. , ثم تخففنا من الأسر والأولاد وكبار السن .. ولم يبق معنا إلا القليل من الضروريات , وكان من بينها بعض كتاباتي ومنها ذلك البحث العزيز .. ثم ساءت الأحوال وكان علينا الخروج وعبور الحدود إلى باكستان , ولم يكن ممكنا أن نحمل معنا إلا ثيابنا التي علينا وسط جبال تجوبها دوريات الأمريكان وتملؤها كمائن الجيش الباكستاني المتعاون معهم .. ,وتركت بعض أشيائي وكتاباتي الهامة عند بعض من تقرر بقاؤه لأمد آخر .. ولكن هؤلاء خرجوا فيما بعد لتصلني رسالة من أحد الإخوة , يخبرني فيها , أنهم اضطروا للخروج , وأحرقوا كل ما كان بحوزتهم من أوراق ومنها مسوداتي ومخطوطاتي .. , عندها ندمت على عدم نشر ذلك الكتاب الهام. وكان أمر الله قدرا مقدورا.