الصفحة 11 من 49

الباب الرابع

خلاصة تجربتي وعلاقتي بتجربة الجهاد في الجزائر (1989 - 1996) :

(هذه الفقرة هي المادة الأساسية لهذه الشهادة)

كما ذكرت آنفا , فقد انهمكت في كتابة هذه الشهادة , بعيد وصولي إلى أفغانستان قادما من لندن, في شهر أغسطس من عام 1997 , حيث كانت تفاصيل أحداث تلك التجربة ماتزال حاضرة في ذهني. وكان بحوزتي عشرات الوثائق والبيانات المتعلقة بها .... وكانت نصيحة أغلب من استشرتهم أن أتريث في نشره .. وهذا ما فعلته ولا أدري الآن إن كنت مصيبا في ذلك التأخير ومن نصحني بذلك آنذاك .. حيث أني فقدته وللأسف مع ما تركت من أشيائي خلال الانهيار المفاجئ والإنسحاب السريع لقوات طالبان عن كابل وأفغانستان .. ولعلي أعيد كتابته بالتفصيل عندما ييسر الله لي ذلك. ولكني هنا أختصر تلك التجربة الهامة والمريرة في نقاط رئيسية موجزة ضمن مايحتمله الإيجازفي هذا الكتاب بعون الله.

فقد كانت أهم محطات تلك التجربة كما يلي:

بدأت علاقتي بالإخوة الجزائريين في بيشاور وأفغانستان إبان مرحلة الشوط الأول للأفغان العرب (1987 - 1992) . وقد ربطتني بأميرهم (القاري سعيد) رحمه الله وغيره علاقة وطيدة .. حيث ألقيت في مضافاتهم ومعسكراتهم. خلال تلك الفترة عددا من الدروس والمحاضرات في مجالات الفكر الجهادي , والسياسة الشرعية .. وبعض الدروس في إدارة و تنظير حرب العصابات ..

بعد انفضاض الجمع العربي في أفغانستان , وعودتي إلى مقر إقامتي في غرناطة في أسبانيا , إتصل بي أحد كبار مساعدي (قاري سعيد) ودعاني لمقابلهم في لندن .. وأدت زيارتي لهم واتصال (قاري سعيد) بي هاتفيا من الجزائر إلى مقرهم في لندن , بعد فراره من السجن وتذكيره لي بوعدي القديم له في أفغانستان , بنصرتهم إن هم أعلنوا الجهاد في الجزائر , إلى انتقالي للإقامة في لندن تمهيدا لترتيب لحاقي بهم في الجزائر ..

طلب مني (قاري سعيد) معاونة الإخوة في الخلية الإعلامية الداعمة لقضيتهم في لندن , إلى حين ترتيب مسألة نزولي إليهم , و كانت ظروف الحرية والانفتاح , وضخامة الجالية الإسلامية وكثرة مراكز الصحوة بمختلف أطيافها .. تساعد جدا على مثل ذلك النشاط .. وكان الإخوة قد أصدروا نشرة (الأنصار) الأسبوعية ,التي دعمت مسار (الجماعة الإسلامية المسلحة) , وصارت عمليا نافذتها الإعلامية نحو العالم.

فبدأت بمعاونتهم في ذلك المجال .. وصار لي مقالة رئيسية ثابتة فيها منذ العدد82 وإلي العدد \120\ فيما أذكر .. من أواسط (1994 وإلى أواسط 1995) تقريبا.

خلال تلك الفترة مطلع 1994 تعلقت آمال كافة الجهاديين بقضية الجزائر, وأمل الجميع في أن تكون الخطوة التالية للأفغان العرب نحو العالم العربي بعد مرحلة أفغانستان .. فقد بعث الشيخ (أسامة بن لادن) بعض مساعديه ليستطلع الحال , وحاول تقديم دعم بالمال والسلاح .. وكاتب الدكتور (أيمن الظواهري) أمير جماعة الجهاد المصرية , أمير الجماعة المسلحة (أمين) قبل انكشاف انحرافه , داعما للجهاد ومذكرا بأهمية اجتماع جهود الجهاديين هناك. وأرسلت (الجماعة المقاتلة بليبيا) عشرات من خيرة مجاهديها للمشاركة الميدانية في الجهاد في الجزائر. وعمل الكثيرون من الجهاديين المغاربة في الخدمات اللوجيستية الخلفية لنقل السلاح والمقاتلين إلى الجزائر, وساهم بعض التوانسة في جهود جهادية أخرى كذلك .. وشكلت تلك القضية محور اهتمام الجهاديين الرئيسية تلك الفترة.

بعد وصولي لندن و انهماكي في العمل مع خلية لندن الجزائرية, سرعان ما اكتشفت عددا من الحقائق التي شكلت لي صدمة كبيرة منذ الأيام الأولى ..

فقد تميز عملهم بالفوضى , وانعدام الحس الأمني تماما, كما لاحظت تداخلا حركيا بين تلك الخلية

(التي من المفترض أنها إعلامية) مع خلايا أخرى في بريطانيا وأوربا , تقوم بجهود تتعدى المجال الإعلامي. وكانت إدارتهم للأمور يكتنفها كثير من العبثية , خاصة وأن معظم عمل تلك المجموعة الصغيرة من الأفغان العرب الجزائريين قد ارتكز إلى عدد من الأنصار والمؤيدين من الشباب الذين طلبوا اللجوء السياسي في بريطانيا , أو من قدماء أبناء الجالية الجزائرية والعربية فيها , وكان جلهم من الأغرار حديثي العهد بالالتزام الديني , ولا يعرفون شيئا عن ضوابط مثل تلك الحركة وأصولها وعواقبها .. فضلا عن ضحالة مستوى معظمهم في مخلف مناحي المعرفة الدينية والدنيوية.

حتى أني فكرت فعليا في تركهم والعودة من حيث أتيت. وربما أقول الآن ليتني فعلت ذلك لولا أنه لا ندم على ما ابتغي به وجه الله في نصرة الإسلام والمسلمين. وصدق الله العظيم"ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء", فقد ثبتني على البقاء رغم ذلك شغفي في تدويل ذلك الجهاد , والآمال التي انعقدت عليه , والأمل في إمكانية إصلاح كثير من الأمور عندما أدخل الجزائر, وأكون على مقربة من أمراء الجماعة الذين يستطيعون ذلك الإصلاح .. ولكن قدر الله وما شاء فعل. فقد كان للأقدار مشيئة أخرى , إذ لم يتحقق هدفي ولم أذهب للجزائر , وبقيت مع مجموعة لندن وسبحان مقدر الأقدار.

فيما عدت لترتيب أعمالي التجارية في أسبانيا تمهيدا للتفرغ لقضية الجهاد الجزائري. وصل لندن رجل فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية , و يدعى (عمر أبو عمر) , وقد عرف باسم الشيخ (أبو قتادة الفلسطيني) . وتحصل خلال فترة وجيزة على اللجوء السياسي فيها. واتخذ من إحدى القاعات في لندن مصلى للجمعة , وبدأ فيه نشاطا خطابيا ودعويا. ولما كانت بضاعة الجهاد هي الرائجة في أوساط الصحوة آنذاك ولاسيما قضية الجزائر , فاتخذ أبو قتادة منها مسألته المحورية. حيث صار ذلك المصلى مكانا لتوزيع المنشورات , وجمع التبرعات , والتقاء الجهاديين والمتحمسين لقضاياهم. ونقطة رصد للإسلاميين من قبل الإستخبارات البريطانية وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت