الباب الثالث
نشأة الجماعة الإسلامية المسلحة والجيش الإسلامي للإنقاذ
وسير الأحداث خلال الفترة (1991 - 1996) .
سألخص في هذا الباب خلاصة سير الأحداث كما تابعتها عن قرب منذ (1988) وإلى (1996) :
كان التنادي للجهاد وحمل السلاح ضد الدولة , هو ردة الفعل الطبيعة لأكثر من 5,3 مليون ناخب اختاروا المشروع الإسلامي في الإنتخابات و فازوا فيها , ثم انتزع منهم انتصارهم بطريقة وحشية , ليساق عشرات الآلاف منهم إلى السجون , بدعم ومباركة وتوجيه من الغرب ولاسيما فرنسا ..
بعيد الإنقلاب العسكري بقليل لاذ عشرات من الشباب بالجبال , وبدؤوا يبحثون عن السلاح ويعدون لمواجهة الحكومة العسكرية. ثم ما لبثوا وبسرعة كبيرة , أن بدؤوا الصدام المسلح مع الحكومة.
أدت حركة الاعتصام الكبير في الجزائر العاصمة , والذي دعت له جبهة الإنقاذ , إلى مفاجئة الجميع باعتقال زعيمي الجبهة و شيخيها الكبيرين (عباسي مدني وعلى بلحاج) بشكل مفاجئ , دونما أي مقاومة! فيما كانا يقودان اعتصاما جمع مئات آلاف المتظاهرين!!.وكان هذا صدمة ومفاجأة للجميع.
وسمعت من البعض فيما بعد وأنا أتحرى تلك القضية أن بعض أعضاء مجلس شورى جبهة الإنقاذ , قد خانوا الأمانة ولم ينفذوا الأوامر التي أرسلها إليهم الشيخ عباسي لترتيب المواجهة- والله أعلم بذلك - وكنت أحتفظ في ملفاتي المفقودة ببعض التفاصيل والأسماء عن تلك المرحلة ولكنها ليست عندي الآن.
وهكذا بقيت جبهة الإنقاذ بلا رأس , وعادت مكوناتها الأساسية للعمل بصورة غير مركزية. وبرز الشيوخ (عبد القادر شبوطي وعبد الرزاق رجام وسعيد مخلوفي و محمد السعيد) - رحمهم الله جميعا - كرؤوس لكتل مقاومة مسلحة للحكومة في العاصمة والجبال من حولها .. وعمت الفوضى السياسية والأعمال المسلحة البلاد , وبدت نذر حرب أهلية طاحنة ما لبثت أن اشتعلت بضراوة ..
وقتل المجاهدون الرئيس الجديد (بوضياف) الذي جاء به الإنقلابيون لتصل الفوضى والصدامات المسلحة إلى ذروتها ...
أحس الأفغان العرب الجزائريون في أفغانستان بأن دورهم قد حان. ونزل (قاري سعيد) رحمه الله إلى الجزائر بعيد الإنقلاب ومكث فيها زهاء شهر, وقد حدثني بنفسه بعد عودته عن جهود مضنية قامت لجمع الأفغان العرب , مع بقايا فرع من جماعة (مصطفى بويعلي) , ببعض الخلايا ذات الفكر السلفي هناك في جماعة جهادية واحدة.
رتب قاري سعيد أمور إخوانه في أفغانستان على عجل , ثم عاد إلى الجزائر. وهاتف نائبه في بيشاور ليخبره بقيام ذلك الجمع الذي سعوا له , وأنهم أسموه (الجماعة الإسلامية المسلحة) , وكان ذلك في أوائل (1991) فيما أذكر ..
إنشق جزء كبير من مجلس شورى جبهة الإنقاذ , وشكل قيادة تفاوضت وتعاونت مع الحكومة العسكرية. ورفض آخرون من قيادات الجبهة وعلى رأسهم الشيوخ (محمد السعيد و عبد القادر شبوطي وعبد الرزاق رجام و سعيد مخلوفي) المهادنة وبدؤوا المواجهة باسم جبهة الإنقاذ .. وسرعان ما أسفر اجتماعهم عن إعلان تشكيل ما عرف باسم (الجيش الإسلامي للإنقاذ) الذي برز على رأسه (مدني مرزاق) أحد كوادر الجبهة. و اشتمل البيان التأسيسي لجيش الإنقاذ على معظم مكونات الفكر الجهادي السلفي وركز على مبدأ رفض العودة للديمقراطية واعتبرها غلطة لن تتكرر , وكنت أحتفظ بنسخة من ذلك البيان.
قمعت الحكومة العسكرية حركات العصيان المدني بوحشية , وحظرت جميع الأحزاب السياسية التي شاركت في الإنتخابات , وكان في طليعتها الأحزاب التي قمعت (جبهة الإنقاذ) , و (حركة النهضة) , و حركة الإخوان (نحناح) , و (الحركة من أجل الثقافة والديمقراطية) الذي يرأسه آيت أحمد, و (حزب جبهة التحرير الوطني) الذي مثله آخر رئيس وزراء مدني فيما أذكر وهو (عبد الحميد مهري) .. وأحزاب علمانية و اشتراكية وشيوعية صغيرة أخرى ..
إستمرت الأحزاب بالمعارضة للحكومة العسكرية وتراوحت معارضتها بين اللين والمداهنة وبين المواجهة إعلاميا و سياسيا أحيانا أخرى. و خرج كثير من رؤوس المعارضة إلى خارج الجزائر .. ووصل عدد المعتقلين من الإسلاميين إلى أكثر من (50 ألف) معتقل ملئت بهم السجون الصحراوية .. وأدى ذلك إلى ارتفاع عدد المسلحين المقاوميين في الجبال إلى ما قيل أنه بلغ عشرات الآلاف .. و أصبحت عملياتهم بالعشرات يوميا ..
سيطرت أخبار الجهاد في الجزائر على عناوين الأخبار ووسائل الإعلام خلال تلك الفترة , وبرز اسم (الجماعة الإسلامية المسلحة) كأهم وأبرز التجمعات العاملة عسكريا في مواجهة الحكومة العسكرية. وبرز اسم أميرها الأول (عبد الحق العيايدة) , الذي ما لبث أن اعتقلته السلطات المغربية أثناء سعيه لشراء السلاح في المغرب وسلمته للجزائر. وخلفه أخ آخر (لا يحضرني اسمه الآن بدقة ولعله(جعفر الأفغاني) ثم قتل رحمه الله , بعد أن قطع أشواطا هامة على طريق توحيد جميع الفصائل المسلحة , ثم خلفه مع مطلع (1993) أميرها الفذ أبو عبد الله أحمد الذي تحققت في عهده إنجازات كبيرة رحمه الله.
تصاعدت حدة العمليات العسكرية. واعتقل (القاري سعيد) في إحدى الهجمات الكبرى على قيادة القوات البحرية في الجزائر العاصمة. ثم فر مع أكثر من (700) سجين من سجن الجزائر العاصمة بعد عدة أشهر, والتحقوا بالجبال. وروى بعضهم - والله أعلم بالحقيقة - أن الإستخبارات الجزائرية سهلت عملية الهروب تلك لزرع عشرات الجواسيس وسط المجاهدين باعتبارهم فروا معهم! وتابع القاري سعيد جهوده في توحيد الفصائل المقاتلة من جميع الفرقاء .. ثم قتل في ظروف غامضة رحمه الله أواخر (1994) . وفي هذه الفترة كان عنف الدولة كبيرا , ووصل لحد اغتيال مئات السجناء السياسيين من جبهة الإنقاذ ومؤيديها في سجن (سركاجي) .. أحد سجون العاصمة الجزائرية في واقعة واحدة!! ..