مطلع (1993) كانت كافة الأصوات المؤيدة للجهاد في الجزائر تنادي المجاهدين بتوحيد الصفوف. وفعلا أدت جهود كبيرة قام بها العديد من القيادات المجاهدة في (الجماعة الإسلامية المسلحة) ومن القيادات المجاهدة لجيش الإنقاذ وشيوخ الجبهة الكبار, ولكثير من قيادات تلك الخلايا الجهادية المحلية , إلى حصول تلك الوحدة التي عمل لها الأمير الثاني للجماعة الإسلامية المسلحة ولم يرها لأنه قتل قبلها بقليل رحمه الله. وتولى (أبو عبد الله أحمد) قيادة الجماعة الموحدة. ونُشر شريط فيديو عن الاجتماع النهائي للوحدة , وكان في غاية التأثير. وابتهجت أوساط الجهاد في كل مكان وهم يرون مشهد بيعة شيوخ الجبهة من قيادات الجيش الإسلامي للإنقاذ (محمد السعيد وعبد الرزاق رجام وعبد القادر شبوطي و سعيد مخلوفي) لشاب في عمر أبناء بعضهم , أميرا للجهاد الموحد باسم الجماعة الإسلامية المسلحة وهو أبو عبد الله أحمد .. وأدت الوحدة إلى ازدهار الآمال بقرب الانتصار الشامل ...
فوجئ الجميع برفض أمير جيش الإنقاذ (مدني مرزاق) الوحدة ومعارضتها , ورفضه الاعتراف بما أقدم عليه كبار شيوخ الجبهة المجاهدين من توحيد الصفوف! وأعلن أنه لا يعترف إلا بقرارات الشيخين الأسيرين عباسي مدني وعلي بلحاج لمَّا يخرجون من السجن. وأصر على البقاء خارج الوحدة .. ولكن عشرات الفصائل والجماعات الثانوية من مشرق الجزائر وغربه وولايات الوسط دخلت الوحدة و صارت الجماعة الإسلامية المسلحة تمثل أكثر من (95%) من المجاهدين المسلحين الذي صار عددهم بعشرات الآلاف مع حلول (1994) كما قيل.
وقف النحناح وتنظيم الإخوان في الجزائر للمجاهدين بالمرصاد وشن عليهم حملة إعلامية عنيفة , وراح يتودد للسلطات بذلك , أما عبد الله جاب الله , فقد ناوأهم هو الآخر ولكن بحدة أخف , ولم يتوانى الإثنان عن تحميل جبهة الإنقاذ وشيخيها الفاضلين (عباسي و بلحاج) المسؤولية عن حمامات الدم التي تجري!
قُتل أبو عبد الله أحمد هو الآخر في ظروف غامضة. وصدر بيان عن بعض أعضاء مجلس شورى الجماعة الإسلامية المسلحة بتولي (أبو عبد الرحمن أمين) قيادة الجماعة وتوالي البيعات له من قبل قيادات الفصائل. ولم يكن بوسع المؤيدين للجهاد في الجزائر في الخارج إلا أن يؤيدوهم ويدعوا لهم بالتوفيق وكان ذلك أواخر (1994) أو أوائل (1995) .
ومع تولي أبو عبد الحمن أمين قيادة الجماعة. بدأت بوادرتغير في منحى السياسات والبيانات والعمليات في الجماعة الإسلامية المسلحة ومن ذلك ..
كثرة البيانات الصادرة عن الجماعة , و تصعيد المواجهة مع الشرائح المدنية و الاجتماعية ذات العلاقة مع هيكل الدولة أو السلطة .. وتوعدها بالقتل , مثل أجهزة الإعلام .. بدءا من الوزير ووصولا إلى باعة الجرائد في الشارع. ومثل قطاع التعليم كذلك .. وصولا للأساتذة والمدارس والطلاب .. وكذلك وزارة النفط وصولا للعمال الذين يملؤون السيارات بالبترول!! .. وهكذا ..
التجرؤ على إصدار الفتاوى باستحلال قتل النساء والأطفال من أسر العاملين في أجهزة الدولة ..
تصعيد المواجهة مع المليشيات المدنية المرتطبة بالحكومة واتخاذها هدفا أساسيا ..
إرتفاع لهجة التكفير في الخطاب العام .. وغير ذلك من هذه التوجهات الخرقاء.
خلال سنة (1995) , تداعت قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ اللاجئة في الخارج , وقيادات الأحزاب السياسية الإسلامية والعلمانية وحتى الشيوعية إلى مؤتمر برعاية الفاتيكان في روما لتشكيل تحالف سياسي , يعرض حل أزمة الجزائر سياسيا , وأصدر المؤتمرون بيانا يدعو لحل الأزمة سياسيا ويدين العنف وينادي بالديمقراطية والعودة لمسارها!! , ووقع على هذا البيان ممثلون عن جبهة الإنقاذ في الخارج وجماعة النهضة الإسلامية و النحناح و آيت أحمد وسعيد سعدي والشيوعية المناضلة (لويزا حنون) !! , وبارك الفاتيكان راعي المؤتمر البيان وأيدته الأوساط السياسية والإعلامية في أوربا. وأصدر (رابح كبير) الذي أبرزه الإعلام بصفته رئيس (الهيئة التنفيذية لجبهة الإنقاذ في الخارج) , بيانا مرفقا برسالة نسبوها للشيخ علي بلحاج , تؤيد قرارات مؤتمر روما هذا. ولكن عناد الحكومة العسكرية أجهض تلك المبادرة الغريبة المشبوهة بتركيبتها ومكان انعقادها. وقد أرخت في حينها لذلك المؤتمر بكتاب بعنوان (ندوة روما في ظلال صليب الفاتيكان) وقد طبع ونشر في مكتبات لندن.
أواخر سنة (1995) .. تجرأ أبو عبد الرحمن أمين وقياداته المنحرفة التي تدرجت في الإجرام على اغتيال الشيخ محمد السعيد و المجاهد عبد الوهاب العمارة وغيرهما من المجاهدين المنتمين لجماعة الطلبة والذين كانوا قد دخلوا بموجب الوحدة في الجماعة , وكانوا يطلقون عليهم اسم (جماعة الجزأرة) وهو لقب كان قد نبزهم به (محفوظ النحناح) انتقادا لمنهجهم. فقتلهم أبو عبد الرحمن أمين بدعوى تحضيرهم للانقلاب على قيادته. وبدعوى الحفاظ على الهوية السلفية للجماعة بزعمهم .. ومن هناك بدأت حقيقة الانحرافات عن مسار الجماعة تتكشف.
ثم أتبع أبو عبد الرحمن أمين تلك الجريمة بإصدار كتاب بعنوان (هداية رب العالمين) على أنه (منهج الجماعة الإسلامية المسلحة) .. وقد حمل الكتاب من فنون الجهل , وألوان التطرف والتكفير , وقواعد الإجرام وقتل الأبرياء ... مما جزم بالهوية المنحرفة الجديدة للجماعة في عهد أميرها هذا. ووضحت أبعاد الكارثة التي حلت بقيادة الجماعة المسلحة.
ثم أتبع عبد الرحمن أمين ذلك بتوجيه مقاتليه إلى المجازر الجماعية في المدنيين في القرى المجاورة لهم بدعوى أنهم انخرطوا في المليشيات الحكومية , فكفرهم واستباح قتلهم وسبي نسائهم .. على أنهم مرتدين .. !!!