الصفحة 3 من 49

الباب الأول:

نبذة تاريخية موجزة

غالبا ما ترتبط أحداث الحاضر بمجريات أحداث الماضي , كما تؤثر بدورها برسم خريطة المستقبل. وهكذا يرتبط الماضي بالحاضر والمستقبل بجدلية تاريخية مضطردة.

وما جرى في الجزائر صورة لهذه الجدلية التاريخية.

ولن أعرض هنا للجذور التاريخية للحدث إلا بقدر ضئيل لفهم الأحداث في سياقها التاريخي. ولمن أراد تفاصيل ذلك أن يرجع إليه في مصادره الكثيرة.

فقد كانت الجزائر جزءا من الدولة والحضارة الإسلامية على مر العصور وتتابع الدول الإسلامية , ولما جمعت الخلافة العثمانية شتات ما تمزق من تلك الدويلات منذ القرن السادس عشر , عادت الجزائر منذ دخلها العثمانيون سنة (1546 م) لتأخذ مكانها المرموق كواحدة من أهم قلاع الإسلام في مواجهة أوربا. وكانت موانئها إحدى الركائز الهامة لسيطرة الأسطول العثماني على البحر المتوسط وجهاده لأساطيل الدول الأوربية وعدوانها الصليبي الاستعماري على بلاد المسلمين.

ومع ضعف الدولة العثمانية وترهلها خلال القرن التاسع عشر , طمعت الدول الغربية في الهجوم عليها وتقطيع أوصالها والاستيلاء على مكوناتها. وبدأت بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية الأوربية بقضم أطراف الممالك الإسلامية , وتمكنت فرنسا بعد مؤامرات دولية من احتلال الجزائر سنة (1830) .

ما إن وطئت أقدام الفرنسيين أرض الجزائر, حتى اندلعت أعمال الجهاد والمقاومة التي انطلقت من المساجد والزوايا الصوفية. وفي سنة (1832) بايعت القبائل ومشايخ الصوفية والعلماء الأمير (عبد القادر الجزائري) في وهران. فقاد الجهاد وحرر غرب الجزائر سنة (1837) , ثم أحاط بالعاصمة سنة (1840) . وألقت فرنسا بكل ثقلها وبطشت بالشعب الجرائري المسلم بكل وحشية. وقضت على تلك الثورة , وقبضت على الأمير عبد القادر وسجنته , ثم نفته فاستقر في سوريا إلى وفاته رحمه الله.

ثم بدأت فرنسا سياسة الاستيطان والفرنسة في الجزائر, وحاربت اللغة العربية والهوية الإسلامية للجزائريين. ولم تهدأ المقاومة والثورات المستمرة.

ثم قيض الله للجزائر رجلا فذا هو الشيخ (عبد الحميد بن باديس) , الذي أسس (جمعية العلماء المسلمين) , التي حفظت بأعمالها التربوية والعلمية هوية الجزائر الإسلامية وعروبتها , وكونت الجيل الذي حمل لواء الثورة الكبرى التي انطلقت سنة (1954) . والتي استمرت إلى أن تحقق الإستقلال سنة (1963) , بعد أن دفعت الجزائر أكثر من مليون شهيد.

ولكن الذي حصل أن فرنسا بدهائها , بعد أن أيقنت أن استقرارها في الجزائر مستحيل , وأن الإستقلال لابد حاصل , اختارت العمل على أن يكون الأمر من بعدها لثلة من التنظيمات والأحزاب التي كان روادها قد تربوا على الأفكار الوافدة من أوربا ولاسيما من التيارات القومية والاشتراكية والليبرالية الغربية , والتي كانت قد كونت بمجموعها ما عرف باسم (جبهة التحرير الوطني) التي بدأ نفوذ الإسلاميين فيها يتضاءل مع الوقت. وهكذا حددت فرنسا من سيخلفها على الجزائر , وقيدتهم ببنود اتفاقية (إيفيان) . وقال الرئيس الفرنسي ديغول أيامها:

(يريدون استقلال الجزائر؟ حسنا سنعطيهم إياها ونستردها بعد ثلاثين سنة!) .

واستقلت الجزائر , وآلت رآستها إلى (هواري بومدين) , وكان قوميا عربيا , ويساريا قريبا من الفكر الشيوعي .. , وسارت الجزائر في عهده الطاغوتي البوليسي إلى الإفلاس والهاوية. وازداد نفوذ العسكر من أعضاء (حزب جبهة التحرير الوطني) الذين كان العديد منهم يحمل الجنسية الفرنسية , وأصبح هذا الحزب منذ ذلك الوقت حزب السلطة الحاكمة الأوحد. وتولى هذا التيار الذي عرف (بالتيار الفرانكفوني) مهمة حرب الإسلام وتصفية الإسلاميين في الجزائر.

وبعد هلاك بومدين خلفه الرئيس (الشاذلي بن جديد) , واستمر (حزب جبهة التحرير) في سياسة الحزب الواحد , وزاد الشاذلي على سيآت سلفه سياسة العودة إلى أحضان فرنسا ,حيث كان بومدين عربيا ويساريا قوميا معاديا لفرنسا. وهكذا ازداد نفوذ التيار الفرانكفوني وكبار العسكر المتنفذين.

وازدادت أحوال الجزائر سوءا وإفلاسا رغم أنها واحدة من كبريات الدول المصدرة للنفط والغاز في العالم ..

وفي مطلع السبعينيات , نهض الشيخ (مصطفى بويعلي) , يطالب حكومة الشاذلي بوقف زحف الفساد , وبالعودة بالبلاد إلى أصالتها الإسلامية ويذكرهم بمبادئ ثورة 1954التي رفعت شعار الإسلام والجهاد , حيث كان الشيخ أحد المجاهدين الذين شاركوا فيها. ثم ما لبث الشيخ (بويعلي) أن أعلن الجهاد وأسس (حركة الدولة الإسلامية) . وحمل السلاح وصعد الجبال في ثلة من أنصاره يجاهدون النظام الجزائري. ثم تمكنت الحكومة في سنة 1976 من قتله رحمه الله , واعتقلت العديد من أنصاره وساقتهم إلى السجون.

وفي أواخر الثمانينات بلغت الأزمة الاقتصادية في الجزائر مداها , وانفجر الشعب الجزائري في ثورة تظاهرات عامة عرفت بـ (مظاهرات الخبز) .. , وأدرك النظام الجزائري ورئيسه الشاذلي أنه لابد من إحداث تغير جذري في الأوضاع , فأعلن الشاذلي سنة (1988) سلسلة من الإصلاحات الشاملة كان من أهمها , إنهاء سياسة الحزب الواحد , وإطلاق المسار الديمقراطي وحرية تشكيل الأحزاب السياسية.

وهكذا أقبل الجزائريون بحماس على تشكيل الأحزاب وإنشاء الصحف , وازدهرت الحركة السياسية. وكان في طليعة الذين تحركوا بحماس في هذه الفسحة من الحرية , مختلف مكونات الصحوة الإسلامية في الجزائر والتي كانت تشهد ازدهارا مكبوتا منذ أواسط السبعينيات , شأنها في ذلك شأن باقي البلاد العربية والإسلامية التي كانت تشهد صحوة إسلامية عارمة, بعد أن بدأ يتبدى إفلاس سراب الأفكار القومية واليسارية التي ازدهرت خلال الخمسينيات والستينيات.

وهكذا أعلن الشاذلي عن إجراء انتخابات بلدية (1988) , تتبعها انتخابات برلمانية سنة (1989) من أجل بدء المسار الديمقراطي في الجزائر. وبدأت الأحزاب المتنوعة استعدادها لخوض تلك التجربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت