الباب الخامس
خلاصة ما جري في الجزائر (1991 - 1996)
كانت الفقرة السالفة جوهر شهادتي وهي تجربتي المباشرة , وغالب ما ذكرته أحداث أنا شاهد عليها في لندن.
وأما هذه الفقرة فهي خلاصة فهمي واستنتاجاتي من خلال تجربتي قريبا من تلك القضية , بالإضافة لما جمعته من شهادات الشهود والمعلومات العامة من مصادرها , وما بنيته عليها من الاستنتاجات والتحليلات , وأرجو أن يوفقني الله لتأليف كل ذلك لرسم صورة حقيقة ما حدث, واستخلاص دروسه وعبره.
الآن وبعد عقد من الزمن على تلك الأحداث , تبدو الصورة وكأنها قد اتضحت وتكاملت لدى كل مهتم بتلك القضية , وأما مصادر تكامل صورتها بالنسبة لي فهي التالية:
(1) - مراجعة وتحليل ما توفر لي من معلومات من خلال تماسي مع القضية في لندن.
(2) - ملاقاة بعض شهود العيان من المجاهدين الليبيين الناجين من مجازر الجماعة المسلحة في الجزائر.
(3) - الحصول على روايات أخوة من جماعة الشيخ محمد السعيد ربطتني بهم صداقة في لندن.
(4) - ملاقاة بعض مجاهدي الجماعة الإسلامية المسلحة في أفغانستان أيام طالبان ممن عملوا
في الجزائر ميدانيا خلال فترة الأحداث.
(5) - متابعتي في - كابل - لما عرضته قناة الجزيرة من مقابلات ومعلومات مما نشره عسكريون
فروا من الجزائر وتحدثوا عن الأحداث والمجازر التي شهدوها بترتيب من الجيش ضد المدنيين وكيف رتبت. و ما نشره بعض الباحثين الجزائريين و الناشطين في حقوق الإنسان حول مسألة المجازر في الجزائر.
فأما عن بعض مراجعاتي وتجربتي تلك:
فقد أعدت دراسة البيانات المختلفة التي صدرت عن الجماعة المسلحة ولاسيما في مرحلة أبي (عبد الرحمن أمين) والكارثة الآخر الذي تلاه (عنتر الزوابري) , بمنظار البحث عن أصابع الإستخبارات فيها , وما بين سطورها , فاكتشفت أشياء عجيبة من سعي تلك البيانات لإثبات هوية فكرية ومنهجية تثبت فكر التكفير والتطرف والإجرام لكل من يطلع عليها , وتتبنى كل ما من شأنه الفصل وإقامة الهوة العميقة بين المجاهدين وبين جمهورهم في الجزائر وجمهور المسلمين عامة. والشواهد هنا كثيرة وليست مادتها تحت يدي الآن , ولكن أضرب مثالا صارخا يبين المقصود من هذه الفقرة.
وهذه الأمثلة لم تعد من الأسرار بعد أن اقتحمت الشرطة البريطانية البيوت وصادرت المحتويات ,
وكانت بالطبع تسجل المكالمات والفاكسات , وقبضت على كامل العاملين أولئك فرج الله عنهم وتقبل منهم وغفر لهم.
فعندما نشر أبو قتادة في الأنصار (العدد147 إن لم تفتني الذاكرة) خبر- ذلك البطل المزعوم من الجماعة - الذي ذبح أمه وأباه!! وعلق عليها أبو قتادة بالثناء والإطراء ووصفها بأنها منهج الصحابة وسلف الأمة!!! - ولا أدري إن كانت القصة صحيحة من أساسها!.
قامت قيامة الأوساط الإسلامية في لندن! و ذهبت إليه مستنكرا للخبر ولتعليقه وإطرائه رغم مقاطعتي للأنصار فبل ذلك .. , والشاهد أني سألته كيف حصلت إدارة الأنصار على الخبر , فقال: بالهاتف , وأضاف ,أنه أخر نشر الخبر لفظاعته ثلاثة أسابيع , حيث اتصل مسؤول في الجماعة من الجزائر عدة مرات يستفسر عن عدم نشره ويطالب بنشره! , فقلت له: هذا الخبر مفاده أن يبصق كل من يقرأه على النشرة , وعلى الجماعة ومؤيديها , بل ويكره الجهاد ومشاريع الإسلاميين كلها .. , وما إصرار صاحبكم على الهاتف إلا لأن هذا الخبر قد فبركته الإستخبارات إن لم يخب ظني ولهذا الغرض.
ثم سألته , إذا كان الخبر يبدو لك فظيعا , وأخرته عدة أسابيع , فمن أجبرك على نشره؟! , وإن
كنت مجبورا كما تزعم , فكيف تزين الخبر وتصفه بأنه منهج الصحابة؟!!! .. فبهت! ثم شتم قيادة الجماعة في الجزائر .. ووصفهم بأنهم ( .... ) , فقلت له: لعلمك , لقد بلغني أن إحدى الصحف البريطانية نشرت خبرا مفاده أن تتبع اتصالات خلية لندن مع الجزائر , كشفت أن بعض المكالمات التي تتصل من الجزائر بلندن مع أنصار الجماعة المسلحة وترسل البيانات تعود لأرقام خاصة بثكنات عسكرية وأرقام حكومية!
وخلال عملية البحث والتحقيق التي قمت بها مع بعض الإخوة في لندن , ومنذ وقت مبكر , عمن وراء تلك البيانات في الجزائر وطريقة إرسالها , كان هناك أثر رأيت أنه مهم. فقد ذهبت إلى أحد المسؤولين عن النشرة ودار بيننا الحوار التالي:
-سألته: من يكلمك من الجزائر بالهاتف؟ ... - فقال: رجل اسمه رشيد.
-فقلت: هل تعرفه؟ ... - فقال لا , ولكن عرَّفني عليه آخر كنت أعرفه.
-قلت: كيف؟ ... (وانتبهوا لهذه الإجابة) .
-فقال: كان يكلمنا أخ اسمه رشيد وهو مجاهد قديم أعرفه شخصيا من الجزائر. وكان يقول إذا شُغلت أو لم أكلمك سيكلمك إبراهيم , وقد كلمني ابراهيم مرة معه وعرفت صوته. وذات مرة كلمني ابراهيم مرة واحدة ليخبرني بمقتل رشيد , وأنه - أي إبراهيم - مشغول , وسيتولى الإتصال بنا رجل جديد باسم رشيد أيضا ويرسل البيانات لنشرها في الأنصار, ولم أكن أعرف رشيد الجديد ولا صوته.
ثم بدأ سيل البيانات والمزاعم يصل من رشيد الجديد هذا ويلح عليهم بنشرها , (ولم يكن أعضاء الأنصار أعضاء في الجماعة ولم يكونوا ملزمين بالنشر ولكنهم كانوا متعاطفين متحمسين لا خبرة أمنية عندهم) .
-فقلت له: ألا يمكن أن رشيد الأول قد قُتل , وأن ابراهيم قد أُسر , وأُجبر على أن يزكي لك مجهولا لديك - هو في الحقيقة استخبارات - ويسمونه رشيد أيضا حتى يحصل اللبس لتتلقوا منه البيانات والأخبار؟
[ورويت له قصة شبيهة جدا حصلت معنا أيام الجهاد في سوريا لما اعتقل عدنان عقلة - أمير الطليعة - ولم نعلم بذلك , ووصلت منه رسالة بخط يشبه خطه يقول فيها أنه مشغول , وأنه سيتولى الإتصال بالإخوة معاونه (أبو الخير - الذي اعتقل واجبر على التعاون مع المخابرات) , وتقبل الإخوة هذا التغيير في الإتفاق , وتقبلوا الأوامر من أبي الخير هذا الذي تولى سحب أكثر عناصر الطليعة المقاتلة , إلى كمائن على الحدود التركية- السورية , وانتهت الطليعة بذلك وانتهى الجهاد كله. (وقد بسطت تحقيقاتي في تلك المأساة بإسهاب- والتي استغرقت أشهرا في كتا بي عن التجربة الجهادية في سوريا) ]