الصفحة 38 من 49

وقد تكررت صورة هذه الطفيليات الحقيرة في كل الثورات العالمية والعربية , وآخرها الفلسطينية وما فعله ممثلو المنظمات ولا سيما منظمة التحرير .. , وحصلت بنفس الشكل في الثورات الجهادية المسلحة. فقام ممثلو الإخوان المسلمين السوريين أيام الجهاد ضد نظام حافظ الأسد - وهي تجربة شهدتها بنفسي - بذلك في البلاد الغربية وبعض العربية , وأدوا نفس الدور وأكلوا أموال المجاهدين بالباطل , وعقدوا الأحلاف السياسية باسمهم ودون إذنهم مع الأحزاب المرتدة من علمانية وشيوعية .. , وحصل مثل هذا في الجهاد الأفغاني , وغير ذلك من الثورات الجهادية ..

فلما ظهر هؤلاء الإنقاذيون المزعومون في الخارج , لعبوا نفس الدور , ولمن أراد التأكد والإنصاف , أن يراجع سجل تصريحاتهم وأعمالهم خلال (1991 - 1997) أثناء غيبة الشيخين , وأن يتأكد من رفض شيوخ الإنقاذ المجاهدين من أمثال السعيد و مخلوفي و شبوطي .. لهم فلم يكن ممكنا - رغم أني حاولت - أن نتفاهم معهم وصولا للحق ونصرته. خاصة أن بعضهم بلغ في القدرة على الكذب والدجل والبهتان حدا عجيبا , واتصفوا بالعنصرية الجزائرية واعتبرونا غرباء لا يحق لهم الدخول في القضية وكانوا يسموننا المشارقة أي من أهل الشرق! , ووصلوا حدا يخرج عن حدود مواصفات الإسلام والإسلاميين بل والشرفاء بأي مقياس. ولا أشك أن أكثر من كان حولهم من الشباب كانوا من المخلصين لخط الشيخين وللجهاد ف الجزائر.

وهكذا وقعت وأمثالي من الجهاديين بين نارين , نار أعداء الجهاد في الجزائر وغير الجزائر من الديمقراطيين الإسلاميين الذين يجرون وراء السراب , ويحاربوننا لأجله .. , ونار السقوط السريع في الإنحرافات من قبل من استولوا - بإشراف المخابرات - على قيادة القضية التي ننصرها. وعدم إمكانية التأكد الفوري مما يجري على بعد آلاف الكيلومترات.

وتسارعت الأمور , في مدة وجيزة , فما بين استيلاء أمين وبداية انحرافاته , وبين براءتنا منه وإعلان ذلك في الصحافة زهاء 8 أشهر .. وهي فترة قياسية في استدراك مثل هذه المأساة.

وأؤكد على أمر بالغ الأهمية , وهو أني تنبهت للانحراف في وقت مبكر - بحكم الخبرة التنظيمية والتجارب الأمنية وذلك فضل الله - وطرحت بين أصحابنا فكرة الضغط الجدي على الجماعة لفهم أسباب ذلك الإنحراف. و حَدَسْتُ مبكرا بإمكانية دخول الإستخبارات الجزائرية على خط قيادة الجماعة. ولولا أن أبو قتادة فرض على مؤيدي الجماعة في لندن جو الإرهاب الفكري , واتهم بالبدعة والتخاذل ومعاداة السلفية!! كل من حاول انتقاد الجماعة وأميرها (أبوعبد الرحمن أمين) , وكان يسمي إحتياطاتي الأمنية وشكوكي مستهزءا بها: (أفكار جيمس بوند) .. لولا ذلك , لكان بالإمكان أن يبكر موقفنا بالبراءة منهم أشهرا قبل ذلك.

كما أن طيبة الأوسط الجهادية وترجيح العواطف وحسن الظن بالإخوة كما كانوا يقولون , ساهم بالتأخير , بل إن بعض كبار الجهاديين طالبنا بتأخير البراءة منهم بعد أن جاءت الأدلة بجرائمهم وكتبنا البيانات , وقالوا: نرسل لهم رسالة نصيحة! فإن لم يستجيبوا أعلنا البيانات!!!

ولكن موقفي وبعض الإخوة كان صارما وحديا , وقلنا لهم بأننا لسنا من الحمق حتى ننصح الإستخبارات التي تقود الجماعة الآن كما تبين! وغلب رأينا على المجموعة وأعلنا البراءة من (أمين) ومجموعته والحمد لله.

ولو كان حال الإسلاميين في لندن أكثر انفتاحا علينا , ولو كان حال الشيوخ (أمثال الشيخ محمد سرور) أكثر رحمة وأبوية وأخلاقية كما يجب من أمثاله! , ولو كان حال الإنقاذيين أكثر اعتدالا وموضوعية , ولو كان حال أكثر أتباع الجهاديين أقل تأثرا بالعواطف والحماس والجهل , ولو أن أبا قتادة , والذين احتكروا منهج السلف وعقيدة السلف و بدعوا وضللوا كل من خالفهم , لو كان كان أكثر اعتدالا واستعدادا للحوار والعقل والمنطق .. , لربما سارت الأمور على غير ما سارت. ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا. فلم يكن للأمور أن تسير في لندن إلا كما سارت مع وجود تلك المعطيات و التركيبة.

وأقول أخيرا للإنصاف باني لو كنت أكثر خبرة كما أنا اليوم بعد تلك التجربة , وبعد تجربتنا مع طالبان ومن جاورهم من العرب. وبعد تداعيات سبتمبر 2001. ولو كنت أقل حماسا وتعاطفا واصرارا على العمل ولو في معطيات سيئة , ومع أناس غير مؤهلين كما كنت قبلا.

لكنت تركتهم منذ اطلعت على أحوالهم أول ما وصلت لندن. أو على الأكثر بعد العدد (120) من نشرة الأنصار واعتقال مديرها وسيطرة أبي قتادة على تلك الزمرة من الجهلة المخلصين كما أحسبهم. فقد كنت من مدرسة جهادية حركية ذات تجربة , تختلف كليا عن مدرسة أبي قتادة و تلاميذة في نشرة الأنصار (السلفيين على طريقتهم) .

ولقد انتبه لهذا وأشار إليه الكاتب الصحفي كميل الطويل في كتابه الذي طبع ونشر في لندن , و أرخ فيه عن معرفته به بتلك القضية وعلاقته بنا في تلك الآونة.

ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا. وأسال الله أن يكتب لنا حسن نوايانا ويتجاوز عن تقصيرنا ويغفر لنا وللجميع ولكل من أراد وجه الله بصوابه أو بخطئه.

وسأختم هذه الشهادة بذكر تصوري عن حقيقة ما جرى في الجزائر وبعض تلك الدروس العبر المستفادة من تلك التجربة المريرة , وأرجو الله الفتح والسداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت