الصفحة 37 من 49

وجرت تفاصيل ووقائع في سير تلك القضية ليس هنا محل الإفاضة فيها , ولكن النتيجة أن جريدة الحياة بعد أن عجزت عن الحصول على أي دليل على مزاعمها الخطيرة ورضخت بعد عدة أشهر وعرضت الصلح. الذي اتفقت عليه معهم بعد مفاوضات بوساطة كاتبهم كمتل الطويل , وكان ذلك يقضي:

أن يكتبوا في نص وثيقة الصلح التي ستسجل في المحكمة البريطانية , أن كل ما نسبوه إلي من تهم وتشويه كان محض كذب وافتراء جراء عدم توثقهم وإخلالهم بأصول المهنة الصحفية , وأنهم اعتمدوا روايات شهود غير موثوقين , وأنني بريء من كل مانسبوه إلي من الكذب.

أن ينشروا نص اعتذار باللغة العربية في صحيفتهم يثبتون فيه ذلك أيضا , على أن أكتب أنا اعتذارهم لي كما أحب! وهذا ما كتبته واضطروا لنشره!

أن يدفعوا لي تعويضا عن أذاهم.

أن يدفعوا تكاليف المحامي الذي تولى الدفاع عن قضيتي.

أن يدفعوا كامل تكاليف المحكمة. فضلا عن ما تكبدوه من أجور فريق محامييهم!

وقد نفذ كل ذلك بعون الله , وتمكنت من سداد ديوني التي تراكمت , وتبقى معي ماأعانني الله به علي الهجرة إلى أفغانستان الطالبان بعد وقت وجيز. ولله الحمد.

وهكذا خرجت من لندن التي جئتها عابرا بغرض اللحاق بالمجاهدين في الجزائر. فقضى الله لي ولأمثالي أن نكون شهود تلك التجربة الأليمة المؤلمة بالغة الدروس والفوائد والعبر, وأرجو أن يكون فيما أكتب عنها نفعا للمسلمين عامة وللمجاهدين خاصة , وتوضيحا مهما لمن التبست عليهم تداخلات تلك الأحداث.

وخلاصة تجربتي المؤلمة تلك في كلمات موجزة:

أنه في الوقت الذي كان يبدو للناس أنني وأبو قتادة ومعاونيه, ومن نصر الجماعة الإسلامية المسلحة من عموم الجهاديين في لندن , من الليبيين والمصريين والإخوة من شمال إفريقيا وغيرهم , كنا نبدو فيه مجموعة واحدة متماسكة , تجتمع على نصرة الجهاد في الجزائر , وحاملة رايته الرئيسية (الجماعة الإسلامية المسلحة) , لم يكن الأمر داخل مجموعتنا تلك كذلك في الحقيقة , منذ تولي (أبو عبد الرحمن أمين) ومجموعته المنحرفة قيادة الجماعة مطلع (1995) .

فقد دب الخلاف الشديد بيننا داخليا منذ وقت مبكر حول الموقف من انحرافات الجماعة الذي بدأ بالبيانات المنحرفة وانتهى بالجرائم المرعبة.

-فكان أبو قتادة ومعاونه (أبو الوليد الفلسطيني) وإدارة الأنصار من الجزائريين في اتجاه (مبرر مسوغ لأفعال الجماعة وبياناتها) بناء على منطلقاتهم التي يعتبرونها (سلفية) ! في جهة.

-وكنتُ وقدماء الجهاديين من (الجماعة المقاتلة الليبية) وبعض المقربين من (جماعة الجهاد المصرية) في اتجاه آخر رافض لذلك.

-وانقسم باقي الجمهور المطلع علي ذلك الخلاف - وأكثرهم من الإخوة من شمال إفريقيا- بين الفريقين. وكان الأكثرية منهم وللأسف مع أبي قتادة بحكم هيلمان المشيخة وأجواء مصلى القاعة , والخطب النارية ومزاعم العقيدة السلفية ... ! بالإضافة للحماس والجهل بحقائق الأمور وعواقبها.

و كانت مصلحة دعم الجهاد ومنهج استمرار العمل المسلح , ونصح الجماعة المسلحة , وتقويمها وتوجيهها بالحسنى , ومواجهة الهجمات الموجهة من أوسط الإسلاميين الديمقراطيين إلى منهج الجهاد المسلح كمنهج وفكرة و أسلوب مواجهة مع الحكومات , وليس لمجرد أخطاء الجماعة , تقتضي أن نقف صفا واحدا ونسدد ونقارب.

ولقد حاولت وغيري من الجهاديين دون فائدة , فتح قنوات للاتصال و الحوار مع أوساط الصحوة تلك لإيضاح الأمور والوصول لتعاون مفيد للجميع , ولكن دون جدوى. وأذكر أني أرسلت للشيخ

(محمد سرور) رسالتين مع بعض أصدقاء ابنه , فردها عليَّ دون أن يفتحها .. !! , رغم أني كتبتها له بألطف أساليب التأليف ولهجة التبجيل والاحترام!

لقد كان الإسلاميون (المعتدلون) كما كان يحلو لوسائل الإعلام تسميتهم قد حددوا موقفهم من الجهاديين ,وهو المنابذة , واتخذوه وسيلة لتبرئة أنفسهم من تهمة الإرهاب والتطرف أمام الحكومات , وأمام أجهزة الأمن الغربية!! هذا فضلا عن الخلاف العقدي الحقيقي حول مسألة الديمقراطية التي ولغوا بها عمليا. وكانت سياسة الغرب كما أعلنها الرئيس الفرنسي (ميتران) بصراحة , هي ضرب الإسلاميين المتطرفين بالإسلاميين المعتدلين- كما يسموننا - وقد فهم زعماء الصحوة الإسلامية اللعبة واستغلوها لصالحهم , وباع كثير منهم - وما زالوا - دينهم بدنيا حكامهم وآثروا السلامة والمكاسب باسم مصلحة الدعوة , وعند الله تجتمع الخصوم , يوم يضع الله الموازين القسط ليوم القيامة , ويصطف الكل بلا ألقاب ولا هيلمانات , ونري حينها , فلينتظروا إنا منتظرون!.

كما حاولت الإتصال ببعض الجزائريين من الإنقاذيين في لندن بغية التفاهم والوصول للحقيقة , ولكن لم يكن ذلك ممكنا لما ذكرته من الطباع العامة في الشدة والتعصب للموقف الذي تميز به الجزائريون عموما.

ولازلت أذكر مثالا لأحد الإخوة الإنقاذيين الذي كان شديد العداء للجماعة وأنصارها ولنا. وقدر الله أن يتحول لتأييدها و يقف معنا, وعانينا كثيرا من كبح جماح عدائة ومواقفه المتشددة المحرجة الجديدة ضد اللإنقاذيين والإسلاميين من الديمقراطيين!!.

هذا فضلا عما خرجت به من انطباع حول قيادات الإنقاذيين في أوربا , الذين احترفوا التصريحات الإعلامية والمزايدات باسم الجهاد في الجزائر, والمتاجرة باسم الشيخين (عباسي, وبلحاج) ..

وهو أن هذه النماذج, تشكل مجموعة من الطفيليات مثل تلك التي تنشأ على هامش الثورات المسلحة دائما , فتحترف السياسة والإعلام , وتنشغل بجمع التبرعات باسم المقاتلين , وتألف حياة البذخ وأجواء المؤتمرات الصحفية والاجتماعات السياسية وطبع المنشورات. وتدفع ثمن ذلك من مواقف النفاق والتزلف للغرب على حساب المبادئ والدين. حيث يكون أهون جرائمها الكذب والدجل وأكل أموال دفعها أصحابها لتصل إلى المقاتلين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت