كذلك لم يطل المقام بالشيخ الثالث , إذ أصدر الزوابري بيانا يكفر فيه الشعب الجزائري برمته صراحة ويشتمهم بأقذع الألفاظ السباب والفحش والفجور .. فتراجع (أبو حمزة المصري) عن تأييدهم ونعتهم بالخوارج والتكفير .. وهكذا انفض الجميع عن دعم ذلك الكابوس.
بقي أن أذكر بعض الملحقات المهمة لتجربتي المريرة تلك , ومن المحطات فيها قصة مهمة:
فخلال إقامتي في بريطانيا , اكتشفت الإمكانيات الثقافية العظيمة في لندن , وبدأت أفكربعد تلك الصدمات والدروس بالإبتعاد عن تلك الأجواء العقيمة , و في إكمال دراستي العليا في مجال الإعلام والعلوم السياسية , و بتأسيس مركز دراسات يهتم بقضايا صراعات العالم الإسلامي وتقديمها في الغرب للرأي لعام العربي والإسلامي والعالمي , وإخراجها من حيز النشرات المحصورة في دائرة الجهاديين المغلقة إلى المجال الدولي. وفعلا وبعد إنضاج الفكرة ودراستها ومناقشتها مع بعض الصفوة من الجهاديين والإسلاميين. أسست مكتبا للدراسات الإسلامية والإعلام في لندن وسجلته كمؤسسة رسمية باسم: [مركز دراسات صراعات العالم الإسلامي] .
وخلال فترة وجيزة نجح المكتب نجاحا باهرا وبدأت العمل. وأعددت لإصدار مجلة بحثية في مجالات صراعات العالم الإسلامي , وترتيب موقع على الإنترنيت .. و انفتحت أمامي آفاق رائعة للعمل الإعلامي كان من أهدافي فيها إقامة جسر بين القضايا الجهادية وقضايا الصحوة الإسلامية وبين الرأي العام العالمي والإسلامي ..
ولكن الذي لم يكن في حسباني هو ازدياد ضغوط الإستخبارات البريطانية عليَّ وعلى مكتبي وأعمالي الصحفية. كما تصاعدت وتيرة مشاريع مكافحة الإرهاب , وصوت البرلمان البريطاني على تشريعات تعسفية أصدرتها الحكومة تدخل النشاطات الأدبية والكتابية ضمن أعمال الإرهاب وتترك لهم مجالات تفسير ذلك وتجريم من يريدون ..
لقد كان واضحا مع مجيء (بلير) أن بريطانيا تسير لتكون ذيلا أحمقا للسياسة الأمريكية. وخلوت بنفسي أقيم الأوضاع من جديد وخرجت بنتيجة واضحة مفادها , أن بريطانيا وهي من أفضل الدول الأوربية في مجالات الحرية وحقوق الإنسان تبدل سياساتها ولن يمكن لمسلم أن يعيش فيها في ظل ذلك إلا أن يكون أحد ثلاثة:
مقموع مكبوس! , أو معتقل محبوس! , أو مرتد جاسوس!!.
ولم أكن لأرضى لنفسي بأي من هذه المنازل. وعلمت أن الهامش الذي تحدثت عنه آنفا بدأ يضيق , وأن العاصفة على المسلمين قادمة , وأنها ستبدأ بالجهاديين , ثم بالإسلاميين.
وعلمت أنه عندما تشتعل الحرب التي تبدو نذرها في الأفق لمن يراها من أصحاب البصائر. ستطال شظاياها جميع المسلمين في الغرب, ولن يبقى منهم إلا من يستخفي بدينه ليتماوت على مهل , أو يتنازل عنه بالعجل حفاظا على الدنيا. وأن على الجميع الرحيل وأولهم أمثالنا ..
ولم أكن أعرف أرضا يمكن أن تقلنا , ولا سماء يمكن أن تظل أمثالنا في أجواء مكافحة الإرهاب. ولكن استطلاعي لأفغانستان بعد قيام طالبان فتح أمامي باب الأمل .. وقررت الهجرة. وصليت طويلا لأجلها صلوات الحاجة ضارعا إلى الله أن ييسرها لي , ولكني لم أكن أعرف كيف سأفعل ذلك وقد أغرقتني الديون وأنا أعرف أفغانستان وتكاليف مثل تلك الهجرة , وكان القدر اللطيف يعد لي أسباب ذلك.
فقد كانت جريدة الحياة قد رصدت نفسها لحرب ظاهرة الجهاد , كما هي سياسة مالكيها من أمراء آل سعود. ولما شغلت قضية الجهاد في الجزائر الرأي العام , وقفت الصحيفة من الجهاديين في الجزائر موقفا مناوئا, واتخذت من الهجمات الإعلامية للإنقاذيين في أوربا عليهم مادة تنقلها بكل ما فيها من كذب وافتراء بغير تدقيق ولا أمانة مهنية.
وقد كان نصيبي من تلك الحملة كبيرا, إذ تناولتني مرات كثيرة ونسبت إلي تهما فظيعة , منها التكفير والتنظير للإرهاب والإفتاء بقتل الأبرياء وتدريب الإرهابيين في قاعات سرية في أوربا على أعمال العصابات ... إلخ. ولم يكن لنا مع مثل هذه المؤسسة العملاقة التي قيل أن ميزانيتها السنوية تجاوز مئة مليون دولار على ذمة الرواة .. لم يكن بوسعنا حيلة إلا الدعاء عليهم والإعراض عنهم ..
إلى أن نقلوا عن بيانات للإنقاذيين في الخارج أواخر 1995 أني أفتيت الجماعة المسلحة بقتل الشيخ محمد السعيد رحمه الله , ثم تورطوا في تصعيد حملة الكذب , فكتب الكاتب الصحفي السعودي (جمال خاشقجي) مقالة عني ذكر فيها اسمي الحقيقي , وجاء فيها بتاريخي الحركي كله من الجهاد في سوريا إلى أفغانستان إلى وقوفي كمرجع عقائدي للجهاد في الجزائر ... إلخ, وخلط كثيرا من الحقائق بأكاذيب من عنده , كان أخطرها زعمه أني أفتيت بقتل قيادات من الإنقاذ , وأفتيت بقتل الزعيم الإسلامي (حسن الترابي) .. وزعم أن جريدة الحياة تملك شرط كاسيت مسجل بصوتي بفتوى قتل الترابي!!! وأن قيادات إسلامية إنقاذية وسودانية ترابية وإخوانية تجمع الأدلة لتقديمها للقضاء البريطاني لمحاكمتي!! وكان كل ذلك افتراءا.
فرغم مخالفتي لكثير من أفكار أولئك الإسلاميين ولاسيما في مسألة الديمقراطية, إلا أني كنت دائما وما زلت أعتبر أن مجال المواجهة داخل دائرة الصحوة الإسلامية هو الحجة والبيان والكلمة بحثا عن الحقيقة. وليس التصفيات الحمقاء!
ونصحني بعض المخلصين أن أحاكم جريدة الحياة أمام القضاء الإنكليزي .. وكان ذلك حلما خياليا .. فمن أين لي دفع تكاليف المحكمة والمحامين .. , وقد علمت لدى أول تقييم لذلك أنه يكلف مبالغ أسمع عنها في الأفلام فقط! .. ولكن ما كان حلما حققه الله تعالى , فقد كان كسب القضية مؤكدا , وقيض الله لي بعض الأصدقاء ليقرضني التكاليف الأولية بعد أن أكد عدة محامون ربحها, وتوقع إلزام الجريدة بدفع تعويض ضخم لي جراء تشويه السمعة الذي يعرض حياتي للخطر .. وكان القضاء البريطاني على حد من النزاهة يقنع بالوثوق به.
وقمت بدراسة مسألة مشروعية مقاضاة الظلمة أمام محكمة غير إسلامية .. وتأكدت من مشروعية ذلك لدفع الظلم بالممكن إن لم يمكن بمحكمة شرعية. وعثرت على فتاوى موثوقة كانت قد عرضت لمثل هذا الأمر ..