الباب السادس
خلاصة أهم دروس التجربة الجهادية المعاصرة في الجزائر
كنت قد قرأت فيما قرأت من الكتب التي عنيت بدراسة حروب العصابات ومدارسها , وطرق مكافحة العصابات والمدارس المتعددة في ذلك أيضا. عن طريقة استخدمتها الإستخبارات الألمانية (الجستابو) ضد عصابات المقاومة التي قاتلت الألمان المحتلين ,أيام احتلال جيوش (هتلر) للعديد من الدول الأوربية. وخلاصة تلك الطريقة هي صناعة قادة مزيفين ومجموعات مقاومة تدير الإستخبارات الألمانية قيادتها , وتسلط الدعاية والإعلام عليها حتى تشتهر. ولو كلف ذلك تحمل الجيش الألماني لبعض الخسائر في سبيل شهرة تلك المجموعات المقاومة المصطنعة. وعندما تكبر تلك المجموعات ويشتهر قياداتها وأبطالها المصطنعين. تبدأ الإستخبارات في فرض وجودهم على المجموعات المقاومة الحقيقية , وتفتيت صفوفها أو اختراقها من قبل القيادات المصطنعة تحت دعاوى ضرورة توحيد الفصائل أو تنسيق أعمالها وتعاونها .. , كما تستخدمها في نزاعات داخلية بين فصائل المقاومة .. وقد قرأت عن نماذج لتلك الأعمال الإستخبارية قام بها الألمان ضد المقاومة الفرنسية قبيل حسم الحرب العالمية الثانية.
كما قرأت - فيما أذكر- عن تطوير الإستخبارات الفرنسية لهذه الأساليب الإستخبارية في مقاومة العصابات. إبان صراعها ضد أعمال الجهاد وحركات المقاومة الجزائرية. وهو ما أسماه الفرنسيون أسلوب (الثورة المضادة) [ La revolution contraire ] . وخلاصته أيضا صناعة قيادات ثورية عملت فرنسا على إكسابها الشعبية ثم فرض وجودها على الجماهير لتعمل في النهاية لصالح فرنسا. إما بتصفية المقاومة الحقيقية واغتيال رجالها , أو في تولي أمر البلاد وعقد اتفاقيات الإستقلال الذي قيد تلك المستعمرات بما فيه صالح فرنسا وإدخالها في مرحلة الإستعمار الحديث. وهذا الذي حصل في النهاية بعد ثورة المليون شهيد في الجزائر واستلام حزب جبهة التحرير الوطني الحكم بموجب اتفاقات (إيفيان) الشهرة بين فرنسا والثوار سنة (1963م) وكنت أحتفظ بعض الاتفاقية وفيها أسس ربط الجزائر بفرنسا لمرحلة الإستعمار الحديث وثم تولت الحكومة تصفية الإسلام والإسلاميين في الجزائر , وتولى إعادتها إلى أحضان فرنسا ثم أمريكا اليوم .. وكما حصل في غيرها من تسليم البلاد بعد ثورات الجهاد إلى العلمانيين , أفراخ الإستعمار عمليا وواقعيا في معظم أو كل بلاد العالم الإسلامي , وربما العالم الثالث.
ثم لما واكبت الثورة الجهادية الأخيرة التي أدون هذه الشهادة عنها الآن. رأيت في تفاصيلها بصمات (الثورة المضادة) , والمدرسة الفرنسية في مكافحة العصابات. ورأيت في (أمين) و (الزوابري) نسخة لما قرأت عنه .. وأظن أن فيما مضي من المعلومات ما يشهد على ذلك ويوضحه.
وبدون الدخول في التفاصيل , يمكن أن أوجز خلاصة دروس ما جرى في الجزائر - من وجهة نظري - في عناوين رئيسية بما يلي:
(1) - أن التجربة الديمقراطية في الجزائر , وغيرها من التجارب الكثيرة في الدول العربية والإسلامية قد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك , في أن الشعوب العربية والإسلامية , قد اختارت وستختار مشروع الإسلاميين السياسي عندما تعطى حريتها في الاختيار , رغم ما يعتري هذه الشعوب من الانتكاسات في مستوى التزامها الديني. وهذا ما قاله أخيرا الرئيس المصري (حسني مبارك) لرئيسه (بوش) معتذرا عن إجراء الإصلاحات الديمقراطية بعد إطلاق أمريكا لمشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير في بداية (2004م) , إذ قال له بأن الديمقراطية ستأتي بالإسلاميين وهذا ليس في صالحنا جميعا.
(2) - أن التجارب المتتالية , وعلى رأسها تجارب صارخة كما في الجزائر , وتركيا , وتونس وسواها .. قد أثبتت أيضا. أن الحكومات الطاغوتية في العالم العربي والإسلامي لن يسمحوا لأكثر الجماعات الإسلامية اعتدالا أن تصل إلى الحكم والسلطة. وأن الغرب المنافق ذي المكيالين , قد دعم وسيدعم الحكومات الديكتاتورية كي لا يحصل ذلك , وأنه على استعداد لدعم الانقلابات العسكرية , بل والاحتلال المباشر إن لم يمكن منع الإسلام من الوصول للسلطة إلا بذلك. وأن على الإسلاميين إن كانوا جادين في أنفسهم , صادقين مع الله في نيتهم , عندما يسعون إلى حكم الإسلام أن يعلموا أن طريق ذلك في الجهاد المسلح وحده. هذا هو مقتضى ديننا الحنيف وشاهد التاريخ وتجارب البشر.
(3) - أثبتت تجربة الجهاد في الجزائر وغيرها , القاعدة الذهبية في حروب المستضعفين , وفي كل مواجهة مع الطواغيت الحاكمين أو مع القوات الغازية. وهي أن التلاحم بين المجاهدين وشعبهم وأمتهم هو السند الأول لهم في عالم الأسباب - بعد توفيق الله - في هذه المواجهات. وأنهم غالبا ما يخسرون تلك المواجهات عندما يخسرون ذلك السند.
(4) - أثبتت التجربة الجزائرية وما تلاها من بعض التجارب أن أعداء الإسلام من حكام طواغيت أو محتلين غزاة, قد أدركوا هذه الحقيقة الصارخة. وصارت مستندهم الأول في تصفية قضايا الجهاد والمقاومة في العالم العربي والإسلامي. وقد سجلوا في الجزائر نجاحا باهرا يحسدون عليه. وهم يطورونه لاستخدامه في وأد كل بادرة مقاومة وجهاد في مهدها.
(5) - أثبت الواقع - وللأسف - أن الأعداء قد اتكؤوا في إنشاء هذه الهوة بين المجاهدين وأنصارهم ومؤيديهم في صفوف الشعب والأمة. على ثغرات منهجية حقيقية موجودة في فكر الصحوة عامة وكثير من دعاتها وعلمائها , والأوساط الجهادية خاصة , وعلى عينات منحرفة اختلطت بالجهاديين خاصة نتيجة تداعيات تاريخية معاصرة. فاستخدموا جهلهم وتطرفهم ونشاطاتهم الفكرية أو العملية - رغم أنهم عينات محدودة ومعزولة بين الجهاديين - لتثبيت إلصاق تلك التهم والمواصفات التي تعمق تلك الهوة بين الجهاديين وأمتهم. وهو درس بليغ على الصحوة و الجهاديين فهمه وتلافي تلك المقاتل.