واستطعت أن أثير الشكوك عند صاحبي كي يتحقق, ولكن الشيخ الكبير أبا قتادة كان يصرفهم عن هذه الأفكار ويقول هذه من (وساوس الأمنيات) وتأثيرات كتب (جيمس بوند) .
وأعود إلى حواري مع أبي قتادة عن خبر الذي قتل أمه , لأني علمت منه بعد قصتي هذه بأشهر , وبعد مقتل السعيد رحمه الله وإخوانه , أن الذي ألح عليهم في نشر خبر قاتل أمه وتزيينه للناس هو رشيد الجديد هذا الذي كلمني عنه صاحبي قبل أشهر وبعض معاونيه, هم الذين أخبروهم بعدم قتلهم السعيد ابتدءا وطالبهم بالتكذيب! ثم أخبروهم بقتله بعد محاكمة!! , ثم طالبوا أبا قتادة بتسويغ قتله على أنهم سيرسلون محاضر المحكمة!!! , ثم أخبروهم أن المحاضر ضاعت مع مراسل اعتقل في نيجيريا في الطريق, ... ! , وهم الذين أرسلوا بيانات قتل جماعة الجزأرة لأنهم مبتدعة , وقتل المليشيا القروية لدعمهم الدولة وكفرهم ... إلخ.
ولم تكف أبا قتادة كل تلك التحذيرات والحوارات التي نبهته إليها أنا وغيري. وذهب الناس في تفسير مواقفه شرقا وغربا. وأحسن تفسيراتي لذلك , أنه بسبب انعدام خبرته الحركية , وانحصار خبرته الحركية رغم علمه الواسع بمعارك الحنابلة مع أبي علي الجبائي في القرن الثالث الهجري , وإصراره على إدارة كل شيء باعتباره شيخ! وأكثر المشايخ والقيادات التاريخية يظنون أنهم يفهمون في كل شيء , وهذا من المعضلات المزمنة للصحوة الإسلامية كلها , وهي في التيار الحهادي أشد كارثية.
وأظن أن أبا قتادة قد أدرك تلك العبر فيما بعد , فقد سمعت من بعض زواره رغم أني هجرته وقاطعته بسبب تلك المواقف والأحداث, أنه قال عني:
(لقد اكتشف أبو مصعب اللعبة والمأساة الجزائرية ببصيرته الحركية قبلنا - رغم عدم فهمه بالأمور الشرعية - ولو كان أبو مصعب من كوادر حزب علماني لعرفوا قدره ونصبوا له تمثالا وقبلوا يده .. ) .
وأقول؛ أما زعمه عدم فهمي للأمور الشرعية , فهو لميزانه السلفي المزعوم , وأما ما زعم من استحقاقي للتماثيل - وأستغفر الله عن حسن ظنه ذلك - فلم أكن أطمع به , كان يكفي أن يهتموا بملاحظاتي ولا يرموها في المزبلة مع هلوسات (جيمس بوند) !
ولعل الله يفرج عنه من معتقله لدي حكومة (بلير) المجرمة , أو يعيننا عل تفريج كربته وكربات أسرى المسلمين جميعا رغم أنف بلير وبوش وحلفهم , فلعل أبو قتادة يدرك أن مشكلتهم كانت في ذلك المنهج في التفكير الذي يسمونه (سلفيا) !! , وأن يقلع عنه , ويساعد من تبعهم في تلك الإنحرافات على العودة إلى سواء السبيل. أرجو من الله ذلك فقد كان في الرجل خير كثير وعلم غزير ورغم كوارثه هذه ..
وأما ما يتعلق بما حصلته من شهود العيان من المجاهدين الليبيين الذين شهدوا
المأساة:
فقد نزل عشرات المجاهدين من تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا للعمل مع الجماعة المسلحة منذ أيام أبي عبد الله أحمد , وكانوا سباقين في هذه الرغبة التي اعترتنا جميعا كجهاديين , استبشارا بهذه الفرصة كما ذكرت آنفا. وقد كان هدفهم من ذلك القيام بفريضة الجهاد وواجب النصرة , والاقتراب من الساحة التي يعدون للجهاد فيها.
فلما قتل أبو عبد الله أحمد في تلك الظروف الغامضة , وتولى ذلك الكارثة (أبو عبد الرحمن أمين) , كانوا هناك موزعين بين عدد من الكتائب , وكان بعضهم قريبا من مكان عمل أمين والتقوا به وبأعوانه - وقد التقيت أحد أهم أولئك الكوادر وحدثني عن تلك التجربة مطولا وأعتذر عن ذكر اسمه لأني لم استأذنه في ذلك , وكان في نيته كتابة تلك التجربة ولا أدري ما مصيره الآن في أخدود سبتمبر - وهل هو في الأحياء الآن أم في الشهداء رحمهم الله.
وقد كانت خلاصة رواية من نجى من هؤلاء الإخوة , أن التحول بدأ تجاههم عندما صار أمين وقيادته ينكرون عليهم تبعيتهم لتنظيمهم الليبي (الجماعة القاتلة بليبيا , وبيعتهم لأميرهم مع وجودهم في مجال إمارة أمين ورايته(السلفية) كما يدعونها , وأن ذلك التعدد بدعة , ثم خيروهم بين طاعتهم أو الرحيل , فارتحلوا بدلالة بعض أعوان أمين كي يدلوهم على سبيل الخروج , في حين أخفى من بقي وخاف الغدر قناعاته وأخذ بالتقية حتى يتيسر له الفرج والهرب. ولكن أمين وقيادته اكتشفوا قناعات بعضهم واعتبروهم مبتدعة , وبدؤوا بمضايقتهم , وتصفية بعضهم بعد تعذيبهم علنا! وأما أولئك الذين ارتحلوا ليخرجوا فلم يعثر لهم بعد على أثر , وأغلب الظن أنهم قتلوهم , قاتلهم الله.
وأما صاحبي الذي روى لي الشواهد الهامة , فقد جاملهم وبقي معهم , وخلاصة روايته مجموعة من العجائب التي يطول ذكرها وتكاد لا تصدق لغرابتها وهولها والعجب منها .. وخلاصة ذلك:
أن القوم كانوا مجموعة من الجهلة المجرمين , يقودهم بعض المتشددين في مفهوم عجيب غريب للسلفية , ومن ذلك اعتبارهم المذاهب الإسلامية الأربعة , والأفكار الرائجة في الصحوة الإسلامية وحتى الجهادية , وأكثر نتاجها مذاهب بدعة , وأصحابها مجموعة من المبتدعة المنحرفين بما فيهم كثير من كبار الأئمة والأعلام من القدماء والمعاصرين.
فلما سألته عن مصادرهم الشرعية والفكرية , قال أنه كان لديهم لجنة شرعية تخرج كل ما تريد من خلال فهم مشوه لما يستخرجونه من الأدلة والفتاوى , إما من فهمهم المنحرف القاصر لنصوص القرآن وما تخيروه من نصوص السنة والآثار على طريقة ما يسمونه (الدليل) - مع أن غالبيتهم الساحقة لا تتقن العربية أصلا!! أو من كتب الإمام ابن تيمية الذي كانوا يدعونه بالدارجة الجزائرية (شيخْ احْمَدْ) , وهذه المصادر بفهم لجنتهم هذه هي الدين بحذافيره .. , وحدثني عن غرائب وعجائب فقهية وشرعية , تتجاوز مسائل الجهاد والسياسة الشرعية , إلى مختلف قضايا الدين وفقه العبادات والطهارة و ... إلخ. ومما بقي في ذاكرتي من تلك الغرائب أنه كان مع مجموعة يعتبرون الجهاد مبيحا للتيمم مع وجود الماء والينابيع والأمن .. !! , ولما سألته عن أثر نشرة الأنصار وفتاوى أبي قتادة من الخارج في فكرهم
أجابني بأنه لم يسمع بذلك في تلك الأوساط أحد! وكانت لجنتهم الشرعية هي كل شيء ومن ثم قرارات (أمين) الذي كان لديه قاضي مرعب من تلك اللجنة الشرعية , وتصرف بشكل أقرب ما يكون إلى أسلوب (حسن الصباح وعصابات الحشاشين) وطريقة السيف والنطع!!.