إستغلت أجهزة الإستخبارات الجزائرية هذه الأجواء - التي تكشف فيما بعد أنها هي التي سعت إليها وأوجدتها - ودست العملاء في قيادة الجماعة التي ربما كان (أمين) واحدا منهم .. وأتبعت ذلك كما - فيما بعد - كشف بعض الفارين من الجيش و القوات الخاصة , ممن أجبروا على فعل ذلك أو شهدوه كي لا تضيع قصة تلك المأساة .. فأتبعت الحكومة ذلك بتنظيم سلسلة من المجازر المروعة في المدنيين ولم توفر عجوزا ولا امرأة ولا طفلا ولا حتى حيوانا .. في تلك المجازر الوحشية التي جرت خلال (1996 - 1997) , حيث شهدت الجزائر أهوالا وبحورا من الدماء .. وصلت إلى قتل المصلين في رمضان وهم ينصرفون من أبواب المساجد بدعوى أنهم كانوا قد شاركوا في الإنتخابات فارتدوا بذلك!!! .. وكانت أكبر المجازر تجري في المناطق المعروفة بنجاح جبهة الإنقاذ فيها في الإنتخابات السالفة .. وكان هذا بمثابة تصفية حساب من قبل الحكومة مع من اختاروا المشروع الإسلامي كما كشف هؤلاء الشهود بالوثائق المؤكدة لذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة بعد ذلك بعده سنوات ..
وقد عرضت قناة الجزيرة بعض المقابلات بالغة الأهمية في هذا المجال .. و نشر بعض أولئك العسكريين شهاداتهم في كتب طبعت في فرنسا وأصبح الأمر الآن واضحا ..
ومع تكشف الحقيقة والتوجه الإجرامي والمنحرف للقيادة الجديدة للجماعة الإسلامية المسلحة .. إنفض عنها المؤيدون في الداخل والخارج. وأصدرت الشخصيات والجماعات الجهادية البارزة التي أيدت الجماعة المسلحة خلال مسارها بيانات عديدة بذلك , وكنت من أوائل من وقف ذلك الموقف وندب الناس البراءة من قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة كما سأشير لذلك في الفقرة التالية , بشيء من التفصيل إن شاء الله.
كما بدأت الكتائب والفصائل الجهادية في الداخل تنفض عن قيادة (أمين) , لتنغمس أكثر فأكثر في حمامات الدم المروعة المخزية .. ثم اشتعال القتال بين الجماعة وبعض تلك الفصائل المنفصلة عنها ..
أواخر (1996) قتل المجاهدون من (جماعة جبل الأربعاء) كما كانوا يسمون , وهم من جماعة الشيخ محمد السعيد رحمه الله , قتلوا (أبا عبد الرحمن أمين) .. وأراحوا الدنيا من شروره , ليتولي بعده سفاح أكثر إجراما منه قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة , وهو المدعو (عنتر الزوابري) , الذي تابع مسلسل الإجرام , ولكن بعد أن ضعفت الجماعة وقلت إمكانياتها .. واستمرت في منهجها بعد أن عزلت في مناطق محدودة إلى أن قتل هذا الأخير سنة (2003) فيما بعد في العاصمة الجزائر ...
مع تشرذم المجاهدين وتقسمهم , وبعد انفضاض الناس عنهم وزهدهم بالمشروع الجهادي بل والإسلامي .. وصلت المخططات الإستخبارات الجزائرية والخارجية إلى مبتغاها من سيناريو المجازر الذي خططت له. فأطلقت برنامجا للاستسلام , بدعوى العفو عن المسلحين الذين يلقون سلاحهم .. وكان جيش الإنقاذ بقيادة (مدني مرزاق) أول المستجيبين لما عرف بنداء (الوئام الوطني) .. وتبرع عدد من علماء المسلمين في الخارج من أمثال ابن باز وابن عثمين والألباني , ليدعموا نداء الدولة للاستسلام , و خرج الألباني بآخر فتاويه قبل أن يتوفى سنة (2000) , ليعلن أن أحداث الجزائر أكبر شاهد على ما ذهب إليه من قوله:
(إن الخروج على الحكام في هذا الزمان , هو في حقيقته خروج على الإسلام ذاته!!!) .
واختلط الحابل بالنابل في ساحة الصحوة الإسلامية كلها بسبب التجربة الجهادية الجزائرية .. لتصبح شاهدا لكل من يريد أن يدلل على رأيه في فشل خيار الجهاد! وليصبح النموذج عبرة لمن يعتبر. بعد أن نجحت الإستخبارات الجزائرية ومن ساعدها من المخابرات العربية والخارجية , ومشاركة حثيثة من وسائل الإعلام العربي بهدم الحاجز بين مفاهيم الجهاد وبين أفكار التكفير والإجرام والمجازر وحمامات الدم .. !
خلال عام 1998 وما بعدها تتابعت الأحداث في الجزائر وكنت قد غادرت (لندن) إلى أفغانستان , حيث لا يمكن مواكبة الأخبار والأحداث كما يجب في ظل عزلة شبه تامة عن وسائل الإعلام , بالإضافة إلى ابتعادي عن ملف تلك القضية ومتاهاتها بسبب الدوار العظيم الذي تسببت لي به ..
ولكن ومن خلال المعلومات التي بلغتني من بعض المجاهدين الجزائريين الأفاضل ممن لاذوا بأفغانستان في مرحلة طالبان , ومن خلال متابعتي بحسب الممكن لوسائل الإعلام , وبعض المهتمين بهذه القضية , وما اطلعت عليه من بعض البيانات التي صدرت بعد ذلك ووصلتنا .. فقد بدا أن الغالبية الساحقة من المسلحين والمجاهدين قد نزلوا من الجبال بفعل ما سمي بمشروع الوئام الوطني , وبقيت مجموعات هنا وهناك في الجزائر تريد متابعة المواجهة مع النظام الذي خرج يباهي بانتصار باهر علي الإسلاميين و الجهاديين.
ثم ظهرت إلى العلن جماعة أطلقت على نفسها اسم (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) بزعامة أميرها (حسن حطاب) .. بدا من خلال بياناتها أنها وعت بعض عبر ذلك الدرس القاسي , فركزت في بياناتها على نفي أفكار التكفير والغلو , وعلى تركيز المواجهة مع أجهزة السلطة العسكرية والأمنية وإبراز الأهداف العامة من أجل إقامة الدولة الشرعية .. إلا أن معظم الأوساط الجهادية بدت حذرة من تأييدها نتيجة الصدمة التي كانت هائلة ولأن حسن حطاب كان عضوا في الجماعة المسلحة تحت قيادة أبو عبد الرحمن أمين. وقد نقلت وسائل الإعلام ومازالت بعض أخبار عمليات تلك الجماعة ومن أبرزها بعض عمليات اختطاف للأجانب و مفاداتهم بمبالغ ضخمة .. ولم يصلني من بياناتها وأخبارها ما يمكنني من الحديث عن تجربتها وأسأل الله أن يوفق المخلصين لما يحبه ويرضاه.