الفصل الثاني
بسط الرد، على من احتج بموقف الإمام أحمد:
إن قياس واقعنا على واقع الإمام أحمد رحمه الله قياس مع الفارق، وظلم لأئمة ذلك الزمان ومساواة لهم بكل زنديق مارق، [1] ولا عجب ممن يلوك هذه الشبهة، فإن الماكر ينفق سلعه بكذبه وغشه، والغريق يتعلق ولو بقشة! ولكن مهما زين الباطل وزخرف بنقشه، فإن منقاشي -بعون الله- تكفل بنقشه! فأقول مستعينًا بالله:
الوجه الأول: على جلالة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وعلو كعبه في العلم، إلا أننا لا نعتقد فيه العصمة، لذلك لا يجوز لمن نحتج عليهم بالآيات الظاهرة، والأحاديث المتواترة، والإجماع والقياس الصحيحين، في وجوب الخروج على حكام زماننا المرتدين، أن يعارض كل ذلك بفعل الإمام أحمد -زعم! - ..
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله. أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر!".اهـ [أخرجه أحمد في مسنده] .
قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله-:"فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر. وهما هما. فما تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟! ويجعل قوله عيارا على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان."
وما أحسن ما قال بعض المتأخرين:
فإن جاءهم فيه الدليل موافقا ... لما كان للآبا إليه ذهاب
رضوه وإلا قيل: هذا مؤول ... ويركب للتأويل فيه صعاب
ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) ".اهـ [تيسير العزيز الحميد: 544 - 545] ."
(1) قال شيخنا أبو بصير الطرطوسي حفظه الله:".. جنحوا إلى التفريط والجفاء في المسألة .. إلى حدٍّ أنهم لا يرون الخروج على طواغيت الكفر والردة .. ويتأولون لهم بتأويلات أهل الإرجاء والتجهم .. ويقيسون حالهم على حال حكام بني أمية والعباسيين!".اهـ [فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام ص1] .