إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كَفّره؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم، فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم.
ومن لم يأخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال لأنهم إذا وُقفوا على هذا قالوا، لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفرٌ بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم، والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنّهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرًا، ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا، لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافًا لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب". اهـ [الشفا 2/ 293 - 295] ."
فأجاب رحمه الله:"الصواب أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال، غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي ألا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة .."إلى قوله:"لكن نعلم أن كثيرًا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله، بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلا محض حقائق المخلوقين. وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع ...".اهـ [مجموع الفتاوى 20/ 121] .