الصفحة 23 من 30

لذلك فقد ألزم الإمام أحمد بعض من ناظره في مسألة خلق القرآن بهذا اللازم فلما التزمه كفره؛ قال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: كان يوجه إليّ كل يوم برجلين، أحدهما يقال له: أحمد بن أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجام، فلا يزالان يناظراني، حتى إذا قاما: دُعي بقيدٍ، فزيد في قيودي، فصار في رجليّ أربعة أقياد. فلما كان في اليوم الثالث، دخل عليّ فناظرني، فقلتُ له: ما تقول في علم الله؟ قال: مخلوق. قلتُ: كفرتَ بالله، [1] فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين! فقلتُ: إن هذا قد كفر. اهـ [حلية الأولياء 6/ 329، وسير أعلام النبلاء 11/ 243] .

وقال المعتصم لمن عنده:"ناظروه، كلموه، يا عبد الرحمن كلمه. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت -أي الإمام أحمد-: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت".اهـ [سير أعلام النبلاء 11/ 245] .

ومن لوازم القول بخلق القرآن أن يكون الله متكلمًا بكل كلام يحدثه في الجمادات أو يخلقه في الحيوانات حقًا كان أو باطلًا، صدقًا كان أو كذبًا، وقد طرد ذلك الاتحادية، تعالى الله عن ذلك كله .. ولم يلتزم ذلك خلفاء بنو العباس.

ومسألة الكفر باللازم ليست كمسألة الكفر الصريح؛ قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر .."إلى أن قال:"فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، [2] ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسّن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط".اهـ [الفصل 3/ 294] .

وقال القاضي عياض بعد أن ذكر خلاف العلماء في تكفير من جهل بعض صفات الله تعالى:"فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه"

(1) وفي حلية الأولياء قال الإمام أحمد:"فقلت له: يا كافر، كفرت".اهـ [حلية الأولياء 6/ 329] . قال شيخنا أبو بصير الطرطوسي حفظه الله:"هذا دليل على ما ذكرته آنفًا أن الإمام أحمد كان يكفر بعض الأعيان ممن خالفوا في المسألة".اهـ

(2) ونحن حين نحكم على حكام زماننا بالكفر فإنما نحكم عليهم بنفس أقوالهم، ونص معتقداتهم؛ المدونة في دساتيرهم وقوانينهم، أضف إلى ذلك صريح أفعالهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت