وقد حاول الجهلةُ من مرجئةِ العصر أن يصرفوا دلالة هذه الآية عن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله فقالوا: الآية نزلت في اليهود، فلا يشملنا حكمها وهذا يدل على مدى جهلهم بالقواعد الأصولية التي وضعها علماء التفسير والحديث وأصول الفقه، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا نزل حكمٌ على سببٍ معينٍ فإنه لا يقتصر على سببه، بل يتعداه، فيشمل كل من يدخل تحت اللفظ، و (مَنْ) في الآية صيغة عموم، فلا يكون الحكم مقصورا على سببه إلا إذا اقترن به نص من الشرع يقصر الحكم على سببه، كقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله أحد الصحابة رضي الله عنه: يا رسول الله إنه كانت لي عناقٌ أحب إليّ من شاة فضحيت بها فهل تجزئني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك.
وقالوا أيضا (أي المرجئة) قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن تفسير هذه الآية
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة/45] فقال ابن عباس: كفرٌ دون كفر، وفي رواية: ليس الكفر الذي يذهبون إليه.
والجواب عن هذا أن نقول: هشام بن حجير راوي هذا الأثر عن طاووس عن ابن عباس متكلمٌ فيه من قبل أئمة الحديث كالإمام أحمد ويحي بن معين وغيرهما، وقد خالفه في هذه الرواية عن طاووس من هو أوثق منه وهو عبدالله بن طاووس، وقد روى عن أبيه أن ابن عباس لما سئل عن تفسير هذه الآية قال: هي به كفر) [3]
[1] فصل: القضاء والمحاكم - واقع الأنظمة والمحاكم.
[2] الفتاوى 12/ 284 - رسالة تحكيم القوانين.
[3] فتوى في تحكيم القوانين الوضعية.