ولتمرير الصورة الزّائفة إصطفّت حشود كثيرة من أفراد المخابرات على حافّة الطريق المؤدّية إلى مقبرة العالية، ونصبت الكاميرات وأمامها نساء مرتزقات يخمشن وجوههن ويصرخن ببكاء مصطنع على الطاغية الذي يقاد ليلقى مصيره في ظلمة القبر.
لكن الإخوة الذين حضروا بقوّة ذلك اليوم لم يكونوا ليفوّتوا الفرصة دون أن يشوّشوا على تلك الصورة المصطنعة، وراحوا يهتفون بشعارات معادية كانت من القوّة بمكان بحيث لم تستطع أيدي الرقابة في التلفزة الوطنية رغم تدخّلها عدّة مرّات أن تكتم تلك الأصوات وهي تنقل الحدث على المباشر.
وقد حدثت يومها عدّة اصطدامات بيننا وبين الشرطة والمخابرات وأذكر حينها قصّة طريفة حدثت لي يومها، وهي أنّني كنت في بداية إلتزامي الإسلامي جدّ متأثر بشخصية الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه، حيث أنّه كان من السبّاقين الذين جهروا بلا إله إلاّ الله على مسمع من قريش، وهي الكلمة التي كانت تغيظهم كثيرا، وكيف أنّه رضي الله عنه نال قسطا وافرا من الضرب المبرح وهو الرجل النّحيف الجسم حتّى أغمي عليه وكاد يلفظ أنفاسه، فقلت في نفسي حين رؤيتي لإقتراب موكب الجنازة: والله هذه فرصة لإغاظة هؤلاء المجرمين وإسماعهم كلمة يبغضونها، وزاد من تشجّعي تذكري لقوله عليه الصلاة والسلام:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وكذلك تذكّري للجرائم التي ارتكبها ذلك الطّاغية، وماهي إلاّ لحظات حتّى وصلت الشاحنة التي كانت تتوسط الموكب، وتحمل جثمان الطّاغية، فاخترقت الجموع ورحت أردّد بأعلى صوتي"بوضياف عدوّ الله"فلم ألبث قليلا حتّى أحاط بي كثير من المخبرين وراحوا ينهالوا عليّ باللطم والركلات لكن الإخوة الذين كانوا بعين المكان لم يسلموني لهم بل جاء المدد واشتبكوا مع المخبرين فإغتنمت الفرصة لأهرب من بين أيديهم، وراح الإخوة يرددون نفس الشعار بقوّة فتدخلت فرق من قوّات الشرطة واختلط الحابل بالنابل.
لقد كانت هذه هي الأجواء السّائدة آنذاك، ذكرتها لكي يعلم مدى الغضب الشعبي العامّ، وكيف أنّ الأجواء كانت ملتهبة ومكهربة بعد إبتداء مسلسل الإعتقالات والمحتشدات التي فتحت بالصحراء من طرف هذا الطّاغية الذي جيء به من المغرب بعد سنوات لتنفيذ المهمّة القذرة.
والحديث عن هذه الجريمة الأولى، جريمة محتشدات الصحراء هو حديث لابد منه كتمهيد لسرد الأحداث الدّامية التي تتابعت حلقاتها فيما بعد معلنة بداية الصفحات السوداء لملف التعذيب والسجون.