لقد أثبتت التجربة السياسية للجبهة الإسلامية للإنقاذ الفشل الذريع للطرق السلمية في استرجاع دولة الإسلام، إذ كيف يمكن لطرق نشأت في مناخات غربية أن تنجح في أجواء تسودها لغة الحديد والنّار، وهي مع كونها طرق تفتقر إلى المعرفة الحقيقية لأعداء الإسلام فهي مخالفة أيضا لسنّة من سنن الله عزّ وجلّ في التغيير، ألا وهي سنّة التدافع.
ولقد كان خروج الدبّابات إلى الشوارع، ثمّ الإعتقالات الواسعة التي طالت رجالات الجبهة وعلى رأسهم الشيخان علي بلحاج وعبّاسي مدني -حفظهما الله وفكّ أسرهما - وما تلا ذلك من الزّج بشرائح عريضة من الشعب الجزائري المسلم إلى المحتشدات، كانت تلك الضربات كافية لوحدها كي يتنبّه الغافل ويستيقظ النّائم بعد أن استمتع بأحلام كثيرة بيضاء!
و كان من الدروس القاسية والعبر المستخلصة:
-أن لا دعوة إلاّ بسيف يدافع عنها!
-و أن لا كتاب يهدي إلاّ بسيف يحمي!
نقول هذا مع أنّنا لا ننكر الفضل الكبير لتلك التجربة من نشر الدعوة وتوعية الجماهير وإظهار الصورة الطيبة لأبناء الإسلام بعد أن جرّب النّاس غيرهم.
و لكن من فضل الله عزّ وجلّ أن تلك القناعات السياسية لم تكن عامّة بل كانت هناك قناعة جهادية تنمو وتزداد يوما بعد يوم ولم تزدها تلك الأحداث إلاّ رسوخا وإنتشارا لدى كثير من الشباب.
ولقد سبق رجال أخفياء. وأبطال أتقياء. وفرسان أقوياء. ففجّروا المعارك الأولى للجهاد معلنين بذلك رفضهم لأن يمرّغ أنف الإسلام في التراب، فأربكوا بذلك الحسابات الخاطئة للسلطة والتي كان الإعتقاد السّائد فيها أنّ تلك الضربات كافية وحدها لإستئصال شجرة الإسلام من جذورها، ولكن هيهات!
وهكذا لم يقنع الجلاّدون بالإعتقالات السابقة والمحتشدات الصحراوية بل كان لا بد من قمع أبشع من ذي قبل يسلّط على هذا الجيل النّاشئ الذي لم تزده المحنة إلاّ صبرا وثباتا فأبى أن يركع مع الرّاكعين.
وراحت حلقات البطش تزداد ضراوة وضراوة. معلنة بداية مسلسل التعذيب الرهيب.