العجوز وهو يخطب على المنبر، [أخرجه أبو يعلى، قال ابن كثير: (بسند جيد) ] - راجع القصة كاملة في الرسالة الخامسة من هذه الرسائل -
فقد كان الائمة رحمهم الله على نهج مستقيم، ثم خلفت من بعدهم خلوف غيروا وبدلوا، وفيهم وجدت فتنة ابعاد الادلة عن الفتاوى وعدم الحرص على الدليل، فإذا وجد الواحد منهم فتوى عن الامام أو غيره ب"أن هذا حرام"لم ير بأسًا ان يعمل بها ولو لم يعرف الدليل المحرم، ثم قويت هذه الفتنة حتى صار جل همهم التأليف في فتاوى المذهب واختصارها وشرحها، ووصل ببعضهم الامر؛ إلى انه قد يجد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تخالفه فتوى الامام فيتكلف له وجوه التأويل وغرائب الاحتمالات، بل قد يرده ولا يعمل به تشددا وتعصبا لقول الامام وفتواه؛ ان يتركها أو يردها، وهذا هو الخطر العظيم الذى كان يخافه الائمة رحمهم الله، فلذلك حذروا من الصنيع وامروا بالحرص على الحجة والدليل وترك اقوالهم اذا خالفت الحديث، واليك اقوالهم:
تنبيه؛ تجد فيما يلى تتكرر كلمة"التقليد"، ومعناه؛ قبول القول من دون حجة، كما عرفه غير واحد من العلماء، منهم ابن القيم والشوكانى رحمهما الله.
قال الامام احمد: (من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) [ ... ] .
وقال: (لا تقلدنى ولا تقلد مالكا والشافعى ولا الثورى ولا الاوزاعى، وخذ من حيث اخذوا) [راجع اعلام الموقعين] .
وقال الشافعى: (كل ما قلت، فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولى مما يصح، فحديث النبي اولى، فلا تقلدونى) [ذكره بن عساكر] .
وقال مالك: (إنما انا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيى، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) [راجع جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر] .
وقال ابوحنيفة: (حرام على من لم يعرف دليلى أن يفتى بكلامى) [راجع الميزان للشعرانى] .
هذه أقوال أولئك الائمة، فأين اتباعهم الصادقون أنهم على منهجهم؟ ولكن ما زالت فتنة التقليد وترك الادلة تفتك بهؤلاء الاتباع حتى قام التعصب للمذاهب على اشده، ويرد بعضهم ما جاء به الاخر، بل اشد من ذلك واعظم؛ ان يجد فتوى الامام تخالف