حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتكلف لتأويل الحديث، كأن الذى تعارض به آية أو حديث، بل قد يتوقف ولا يعمل به لئلا يسقط قول إمامه أو شيخه الذى افتاه، وفى زعمه ان هذا من تقدير الامام والعالم والشيخ وتعظيمه، وما علم انه بهذا خالف شرع الله ووصية الامام.
وهنا يلهمه الشيطان حجة ابليسية، فيقول؛"لماذا ترك الامام العمل بهذا الحديث؟ لا بد انه علمه ولكن تركه لعلة، أو انه لم يصح عنده، أو ان عنده ما يعارضه"، وأخيرا يقول؛"ما أنا بأفضل من الامام أحمد أو الشافعى - مثلا -"وغفل المسكين عن ان هذا الامام أو العالم بشر يجوز عليه الخطأ - ومن ذا الذى لم يخطأ قط؟ - بل أما يتذكر الذى يرد الحديث الصحيح لقول الامام، ان الله سوف يسأله عما أنزل ولن يسأله عن قول إمامه، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} ، أي عن الذكر.
وهى زلة عظيمة وقع فيها اتباع المذاهب من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وهى؛ انهم يقبلون اقوال العلماء ولا يردون منها شيئا، وهذا ليس إلا للرسول صلى الله عليه وسلم الذى لا يرد من كلامه شيء لآنه معصوم عن ان يشرع للناس خطأ - والرسول مبلغ عن ربه التشريع - بل إذا أخطأ لم يقره الله على ذلك، فنزلوا العلماء منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم، يتبعون جميع ما قال بلا استثناء، إذن فماذا بقى للرسول صلى الله عليه وسلم؟ مع انهم يعترفون ان العالم بشر غير معصوم، ومع ذلك يحسبون انهم مهتدون!
أقول؛ نشأت هذه الفتنة وقويت، ولم تكن قبل موجودة في القرون المفضلة.
قال ابن القيم رحمه الله [فى كتاب اعلام الموقعين: ج2/ ص189] ما نصه: (وأيضا فإنا نعلم بالضرورة؛ أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع اقواله، فلم يسقط منها شيئا، واسقط اقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا، ونعلم بالضرورة ان هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعى التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون المفضلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والاموال ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطر عظيم؟ ولهم بين يدى الله موقف شديد، يعلم من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شئ) انتهى كلامه رحمه الله.
وبعد ان تبينت لك حقيقة هذه المسئلة وخطرها وعظم المصيبة على المسلمين من جرائها، نأتى على الاجابة على تلك الاسئلة التي طالما حاكت في نفوس كثير من محبى الخير، ولما يتجلى لهم الحق فيها.