المذاهب فصاروا يسمون فتاوى اتباع المذهب باسم المذهب، فقد تجد الاف الفتاوى في المذهب الحنبلى - مثلا - وليس للامام أحمد بن حنبل رحمه الله فيها شئ، ولذلك فرق بين قولك؛"افتى أحمد بكذا"، وبين قولك؛"فى المذهب الحنبلى كذا".
ولكن اسمع ما هو منشأ البلاء الذى حل بالامة الإسلامية منذ قرون طويلة:
كان الآئمة رحمهم الله يفتون بالادلة من الكتاب والسنة، فأما القرآن فلا شك أنه وصلهم كما وصل غيرهم، واما الاحاديث؛ فلا يخفى ان الواحد منهم كانت تبلغه أحاديث لم تبلغ الاخر، فيفتى كل حسب علمه، تعرف هذا إذا عرفت تباعد اقطارهم وصعوبة الرحلة والتنقل بين هذه الاقطار، فقد كان مالك - مثلا - في المدينة، واحمد في الشام، والشافعى في الشام ثم في مصر، وعلى هذا فقد يفتى الواحد منهم رحمهمم الله بالفتوى يكون فيها مخطئا لعدم علمه بالدليل الذى يدل على خلافها، وبلا شك فانه معذور ومأجور على اجتهاده ومغفور له خطأه لحديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأجتهد فأخطأ فله اجر ا) [رواه البخاري ومسلم] ، وساروا رحمهم الله على منهج الحجة والدليل والبرهان يتعلمون ويعلمون، وإذا تبين لاحدهم خطأه في مسألة من المسائل ثم وجد الحديث رجع إلى الحديث وترك ما كان عليه.
وإليك هذا المثال:
قال بن وهب: (سمعت مالكا سئل عن تخليل اصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال؛ ليس ذلك على الناس، قال؛ فترتكه حتى خف الناس، ثم قلت له؛ عندنا في ذلك سنة، فقال؛ وما هى؟ قلت؛ حدثنا الليث بن سعد وابو لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافرى عن ابى عبد الرحمن الحبلى عن المستورد بن شداد، قال؛"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه"، قال؛ إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الاصابع) [راجع مقدمة الجرح والتعديل لابن ابى حاتم، ص: 31، 32] .
وهذا الامام أحمد رجع إلى القول بالجلسة بعد السجدة الثانية من الركعة الاولى والثالثة - والتى يسمونها"جلسة الاستراحة"- كما نقله عنه الخلال راجع"المغنى"و"فتح البارى".
وهذا طريقهم؛ كلما اتضحت لهم سنة رجعوا إليها وتركوا اقوالهم، وهى الطريق الذى كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين، كما رجع عمر رضى الله عنه لما اعترضت عليه