الصفحة 13 من 40

قلت: إن الذى يبذل جهده في اتباع ما أنزل الله لا بد ان يصل إن شاء الله إلى الفصل بين الحق والباطل في أغلب المسائل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) [رواه الخطيب في تاريخه بسند حسن] ، فإن اكثر ما نرى من الخلاف الشائع في الامة يرجع غالبه إلى أحد شيئين:

1)إما إلى حديث ضعيف، وهذا كثير.

ومثال ذلك الخلاف في مسألة وضع اليدين في الصلاة، هل توضع على الصدر أو تحت السرة أو غير ذلك؟ فتجد كثيرا من الناس يضعونها تحت السرة، وإنما استنادهم في ذلك إلى حديث ضعيف رواه أحمد وابو داود عن على رضى الله عنه، قال: (إن من السنة في الصلاة وضع الاكف على الاكف تحت السرة) ، وفى سنده عبد الرحمن بن اسحاق الكوفى، قال أبوداود: (سمعت أحمد بن حنبل يضعفه) ، وقال البخارى: (فيه نظر) ، وقال النووى: (هو ضعيف بالاتفاق) .

قلت: وإنما الذى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ هو انه كان يضع يديه على صدره [رواه أحمد في المسند؛ ج 5 ص 226، وغيره، بسند حسن] .

2)وإما إلى قول لا دليل عليه، وهذا هو الغالب في اكثر الخلافات؛ ان تجد قولا يدل عليه الدليل، ويعترض عليه بقول لادليل عليه، وأمثلة ذلك كثيرة لمن تأمل ذلك وعرض واقع الناس على ما أنزله الله في كتابه وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وكان عليه المسلمون قبل اربعة عشر قرنا من الزمان.

فإذا تثبت في دينك الا تأخذ إلا بدليل، وبدليل صحيح؛ انقذك الله من كثير من الخلاف.

وقد تقع في مسائل تبذل جهدك في اتباع ما آنزل الله ثم يخفى عليك بعضه، فهنا تتحرى الحق حسب ما تعلم مما انزل الله، ثم الامر كما قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} ، وهذا غاية ما أتاك الله، وليس هناك دليل على انك تقلد والحالة هذه.

ثم قال ابن القيم رحمه الله [ص 169] : (وقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، والتقليد ليس بعلم باتفاق اهل العلم ... ) ، إلى ان قال: (وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ، فأمر باتباع المنزل خاصة، والمقلد ليس له علم ان هذا هو المنزل، وان كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم ان تقليده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت