وإذا عرفت هذا، فاعلم؛ انك في زمن غربة الإسلام، وأى غربة يعيش الدين فيها اليوم؟! والمتكلم بالباطل منصور، وصاحب الحق مخذول، والوحى مهجور، والسنة قد زهد الناس فيها، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وحياتهم وسيرتهم إنما هى قصص وحكايات بل خيالات:
وأى إغتراب فوق غربتنا التى لها أضحت الاعداء فينا تحكم
وأكبر من ذلك أن الداعى إلى الله على بصيرة وصاحب الحق يضرب على يده ويسكت، وصاحب الباطل يترك له الميدان يفعل ما يشاء، ويعيث في الارض فسادا، {والله لا يحب الفساد} .
فتفطن يا أخي - رحمك الله - إلى ان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن غربة الإسلام فقال: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء) [رواه مسلم] ، وفسر الغرباء؛ (أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم اكثر ممن يطيعهم) [رواه مسلم رحمه الله في صحيحه] .
وانظر إلى غربة الإسلام الاولى كيف كان؟ وكم كان القائمون به؟ أخرج مسلم رحمه الله في صحيحه عن عمر بن عبسة - أبى نجيح السلمى - رضى الله عنه؛ أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قال: فقلت: من معك على هذا الامر؟ قال: (حر وعبد) ، يعنى؛ ابوبكر وبلال رضى الله عنهما، فتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وسيعود الإسلام غريبا كما بدأ) ، حتى تعلم ان الدين إذا عاد غريبا لا يكون عليه إلا أفراد قلائل، وأما جمهور الناس - وان كانوا يدعون الإسلام - فإنما هى فتنة لمن يغتر بالكثرة ويحتج بها، لأن الدين هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم، لا يقبل الله دينا سواه، فاعرض حياة الكثير من مسلمى هذا الزمان ومدعى الإيمان والتوحيد على حياة أولئك الرجال، يظهر لك الفارق ان كنت ممن نور الله بصيرته، وقد أشار إلى المعنى المذكور في غربة الدين الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته التي المتقدم ذكرها.
والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: (فطوبى للغرباء) ، فاحرص ان تكون ممن إذا اغترب الدين كان معه غريبا، وليس ممن {يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير إطمأن وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين} .
وبين يديك الان صفحات يسيرة - جهد المقل - في بيان أنه يجب على المسلم معرفة الدليل فيما يعمل به من الشرع ويعبد الله به، فأعط من نفسك ان تكون متواضعا