للحق إذا تبين لك بدليله من الكتاب والسنة، فإن الكبر قد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه؛ (بطر الحق، وغمط الناس) [رواه مسلم] ، وبطر الحق؛ أي رده، وغمط الناس؛ أي احتقارهم، ولكن تجرد للحق من غير تعصب لرأيك أو لما عليه جمهور الناس أو لما يفتى به فلان وفلان، بل تنشد الحق فانى وجدته اخذته، فإن اقتنعت بما بين يديك من الادلة والبراهين فهذا والله ما نرجوه وندعوا لك به، وان لم يتجلى لك الحق ويتضح ولم يزل عندك فيه اشكال؛ فراجع كتب اهل العلم التي سنذكر لك بعضها في في هذه الرسالة إن شاء الله.
لكن لا تنسى اثناء ذلك وقبله وبعده ان تكثر من الدعاء الذى كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح به صلاته إذا قام من الليل، روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته، فقال: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهادة، انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم) ، واعتبر كيف النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا به إذا اقام من الليل، مع ان الله قد هداه إلى صراطا مستقيما، فأولى بنا أن نلح بهذا الدعاء نحن، كيف لا؟! ونحن نعيش في خضم أمواج الفتن التي اختلط فيها الحق بالباطل واصبح كل يدعى وصلا لليلى، والمسلمون يعيشون حالة يرثى لها من التخبط في ظلمات الفتن، والناجى من نجاه الله.
وأعمق هذه الفتن أثرا، وشرها ضلالا؛ هو ما نعانيه اليوم من الاعراض عن نصوص الكتاب والسنة وعن تعلم هدى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى من كثير ممن ينتسب إلى طلب العلم، وتجد الكثير من عامة من ينتسب إلى الدين والصلاح يعرفون عن رؤساء اليهود والنصارى وحياتهم وسيرتهم أكثر مما يعرفون عن نبيهم الهادى صلى الله عليه وسلم وحياته وسيرته وغزواته، فضلا ان يميزوا بين بين الصحيح الثابت من ذلك والضعيف والمكذوب، حتى بلغ الامر في كثير منهم؛ أنك لو تسأله عن الصلاة؟ لأجابك في وعى المتنبه من النوم:"هاهم الناس يصلون هكذا يصلون، ها هكذا تعلمنا الصلاة من أبائنا ومنذ ان ولدنا ونحن في الإسلام ولله الحمد"، وإن كان ممن يدعى الصلاح والتقوى قال؛"هكذا وجدنا مشايخنا لا يفعلون غير هذا"، وإن كان ممن ينتسب إلى طلبة العلم قال؛"هذا الذى قرأنا في كتب الفقه"، فإذا اعدت عليه السؤال وقلت؛ هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا كما رأيتمونى أصلى) [رواه البخارى] ، فإن كان صاحب ورع قال؛"لا أدرى"، وهذا الصنف يرجى له خير ويرجى له ان يقبل الحق منك إذا جئته به، فإنه بجوابه هذا صادق، وقد سهل هو عليك الدخول معه إلى بيان الحق له بلا تعب.