شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه حريص على العلم والحديث، وازداد علمه وفضله ببركة دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له، قال أبو هريرة - رضي الله عنه: قلت: يارسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: «فابسط رداءك» ، فبسطته فحدث حديثا كثيرا، فما نسيت شيئا حدثني به [1] ، وعند البخاري قلت: يارسول الله، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه، قال: «ابسط رداءك» فبسطته، قال: فغرف بيديه ثم قال: «ضمه» فضممته، فما نسيت شيئا بعده [2] ، فكان أحفظ الصحابة - رضي الله عنهم -، شهد له عبدالله بن عمر رضي الله عنهما فقال له: أنت يا أباهر كنت ألزمنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمنا بحديثه، ومشى ابن عمر أمام جنازة أبي هريرة وهو يكثر الترحم عليه، ويقول:"كان مم يحفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين" [3] .
ومما يدل على حرص أبي هريرة على حفظ العلم قول زيد بن ثابت رضي الله عنهما:"بينما أنا وأبو هريرة، وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس إلينا فسكتنا"فقال: «عودوا للذي كنتم فيه» قال زيد:"فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علما لا ينسى"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «آمين» فقلنا: يارسول الله:"ونحن نسأل الله علما لا ينسى"فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي» [4] .
وقد توجس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من كثرة الحديث خوفا من الغلط فيه، ولذلك هدد أبي هريرة وقال: لتتركن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو: لألحقنك بأرض دوس [5] ، فأراد أن يختبر حفظ أبي هريرة فقال أبو هريرة - رضي الله عنه: بلغ عمر حديثي فأرسل إليّ فقال:"كنت معنا يوم كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت فلان؟"قلت: نعم، وقد علمت لِمَ
(1) الوافي بالوفيات 6/ 71.
(2) البخاري حديث (119) .
(3) البداية والنهاية 8/ 107.
(4) السنن الكبير للنسائي حديث (5839) .
(5) البداية والنهاية 8/ 115.