ثم قال: (وإذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد، وإنما يقلد العامي) . العامي هو الذي يقلد، أما المجتهد الذي عنده الأهلية السابقة بالشرط السابق يكون عنده أهلية للنظر في النصوص ليس كل من هب ودب يظن أنه مجتهد ثم يفتح المصحف ويفتح السنة ثم يجتهد وينظر لا، لا بد أن يكون ثَمَّ ما يكون مؤهلًا له للنظر لا نمنع التقليد، لا نوجب التقليد على كل أحد ولا نمنع الاجتهاد، وإنما هذا جائزٌ في الجملة وهذا جائزٌ في الجملة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، التقليد إنما يكون في العامي لقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] . لأنه ليس أهلًا للنظر وكل من لم يكن ليس عنده أهلية للنظر فهو داخلٌ في هذا المصطلح فهو عامي، ولذلك المجتهد قد يكون عنده شيءٌ من هذا الوصف إذا عجز عن مسألةٍ ما ولم يدري ما حكم الله تعالى فيها صار عاميًا في هذه المسألة، وأما المجتهد الذي عنده الأهلية فيحرم عليه التقليد لا يجوز أن نقول: يجب عليه أن يقلد مع كونه قادرًا على النظر في الأدلة لأن الأصل هو الإتباع، يعني: معرفة الكتاب والسنة ثم قواعد للاستنباط فيستقل بنفسه دون غيره لأنك إذا ربط نفسك بأي شخصٍ من علماء الشافعي، أو أحمد، أو غيره فقد اعتقدت طاعة غير النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير موجبٍ شرعي، والأصل في ماذا في الطاعة أن تكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] ، إذًا أبو حنيفة أنت لست مأمور بطاعته، وكذلك مالك لست مأمور بطاعته إلا إن كنت عاميًّا حينئذٍ ردك الله تعالى إلى أهل العلم {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} إن كنتم تعلمون مفهومه مفهوم المخالفة فلا تسأل أهل الذكر، وإنما تبحث أنت بنفسك هذا هو الأصل فلا نوجب التقليد مطلقًا ولا نمنع الاجتهاد مطلقًا، والفصل يكون بالنظر إلى الشخص نفسه قال هنا: (وإذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد، وإنما يقلد العامي) . يقلد المجتهد (ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها) ، يعني: فله أن يقلد غيره. (والمجتهد المطلق) ، هم يقسمون المجتهد إلى ثلاثة أنواع: مجتهد مطلق، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى. وهذا القسمة اصطلاحية ما أنزل الله بها من سلطان وألزموا بها خلق الله تعالى، حينئذٍ المجتهد المطلق من هو؟ هو الأصل هذا، الأصل من وجدت فيه حالة الاجتهاد هو مجتهد مطلق، أما مذهب أو فتوى أنت لست مأمورًا بأن تكون محققًا لمذهب أبي حنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا مالك، لأن هذا مجرد اصطلاح هل لك رغبة أو لا؟ تتميم للعلم جمال للعلم فقط لأن الذي يتقن مذهب يكون أمكن في الفقه حينئذٍ لست ملزمًا شرعًا بأن تتبع مذهب من المذاهب الأربعة، ولكن أنك ملزمٌ شرعًا بماذا؟ بإتباع الدليل، فمتى ما صح الدليل هو الذي ينبغي اعتماده، وعليه من وجدت فيه الشروط السابقة فهو مجتهدٌ ولا نقيده بمطلق ولا غيره، فصار هذا من باب الاصطلاح فقط، ولذلك يقولون: متعذرًا مجتهدًا المطلق هذا.