وهذا جزء من اختلاف أكبر، وهنا أود أن أستشهد بمقطع مما كتبه خبير متمكن حقا بالمؤسسات السياسية، يدعى أليكسيس دو توكفيل Alexis de Tocquevill، وكان لديه بعض المعرفة بالإسلام أيضا. وأمضى بعض الوقت في الجزائر وكتب بعض التقارير للبرلمان الفرنسي حول الوضع هناك، إلى جانب كتابه الشهير جدا عن الولايات المتحدة. وفي عام 1835 م، کتب توكفيل قائلا:
الم يأتي محمد بالعقائد الدينية من السماء ويضعها في القرآن فحسب، ولكن بالمبادئ السياسية الأساسية، والقوانين المدنية والجنائية، والنظريات العلمية أيضا. وعلى النقيض من ذلك، فالأناجيل تتحدث فقط عن العلاقات العامة بين الإنسان والله وبين الناس، وفيما عدا هذا، فهي لا تقدم أي تعليم ولا تفرض أية عقيدة. وهذا وحده، من بين ألف سبب آخر، يكفي لإثبات أن أول هذين الدينين (أعني بذلك الإسلام) لم يستطع أن يسيطر طويلا في عصور التنوير والديمقراطية بينما يقدر للآخر أن يسود». ومن المؤكد أن لديه هدفا خاصا كان يسعى لتحقيقه. لكن النقطة الأساسية التي يسوقها، بشأن عدم توافق التشريع الأزلي مع الأداء الوظيفي للمؤسسات الديمقراطية، نقطة هامة تسترعي النظر عن كثب.
وحتى الآن، كنت أتحدث عن الإسلام والعالم المسيحي، لكن كلمة اليهودية Judaismn جاءت في عنوان هذه المحاضرة، فمن أين جاءت؟ اليهودية - شأنها شأن المسيحية والإسلام - دين و ثقافة، لكنها تختلف عنها كونها ليست حضارة. والمسيحية دين؛ والعالم المسيحي حضارة. وكذلك الإسلام. وظلت اليهودية أحد مكوناتها. وقد عاش معظم اليهود، الأغلبية الساحقة منهم تقريبا، طوال الأربعة عشر قرنا الماضية إما تحت الحكم المسيحي أو الإسلامي. وكانوا - إذا جاز لنا التعبير - جماعة فرعية داخل الحضارة المسيحية أو الحضارة الإسلامية. وكانت هناك جماعات صغيرة ومنعزلة من