الصفحة 46 من 242

خالصة، ثم أصبحت مدينة إقليمية صغرى في نهاية الأمر. ولم يعاود الاهتمام واسع الانتشار بيت المقدس إلا في القرن التاسع عشر، وكان ذلك بسبب النزاعات بين القوى الأوروبية لفرض وصايتها على الأماكن المسيحية المقدسة، بادئ الأمر، ثم بفعل الموجات الجديدة للهجرة اليهودية بعد عام 1882 م.

ومع ذلك، ففي الجزيرة العربية، جاء التهديد التالي الملحوظ من جانب الكفار في القرن الثامن عشر مع توطيد دعائم القوة الأوروبية في جنوب آسيا، ومعاودة السفن المسيحية الظهور على مقربة من شواطئ الجزيرة العربية. وكان الشعور الناتج بالغضب - على أقل تقدير - أحد عناصر الإحياء الديني الذي أحدثته الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتزعمه آل سعود، مؤسسو الدولة السعودية الحديثة. وخلال فترة الهيمنة الأنجلوفرنسية على الشرق الأوسط، حکمت القوى الإمبريالية العراق، سوريا، فلسطين، مصر، السودان. وراحت تفرض في أطراف الجزيرة العربية، في عدن ومشيخات الخليج الهاينة، لكنها كانت حكيمة بما يكفي لئلا يكون لها أي تدخل عسكري مع احتفاظها بحد أدنى للتدخل السياسي في شؤون شبه الجزيرة.

وكان النفط سببا في جعل ذلك المستوى للتدخل غير كافي تماما، وبدأ التدخل الغربي المتزايد، الأمريكي في غالبيته، في تغيير كافة نواحي الحياة في الجزيرة العربية. وظل ميناء جدة الواقع على البحر الأحمر زمنا طويلا بمثابة منطقة حجر صحي ديني، وكان يسمح للممثلين الدبلوماسيين والقنصليين والتجاريين الأجانب بالإقامة فيها. وأدى اكتشاف النفط واستغلاله - والنمو الذي أعقبه للعاصمة السعودية، الرياض، من مدينة واحة صغيرة إلى عاصمة كبرى - إلى تدفق الأجانب بأعداد كبيرة. وكان تواجدهم، والذي لا يزال الكثيرون يعتبرونه انتهاكا للقدسية، سيا في غرس بذور حالة من الاستياء المتزايد.

وطالما كان هذا التدخل الأجنبي اقتصاديا على وجه الخصر وكانت العطايا أكثر ما يكفي للتخفيف من وطأة أية مظلمة، فمن الممكن تحمل التواجد الأجنبي. ولكن،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت