الصفحة 4 من 31

فما بال المسلمين يختلفون في أصل الإيمان: {إن الحكم إلا لله} ، فهل يبقي عند من يخالف ذلك حبة خردل من إيمان؟!

قال الشوكاني في"فتح القدير": (فلا يثبت الإيمانُ لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره مما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليمًا لا يخالطه رد ولا تشوبه مخالفة) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى": (ذمَّ الله عزّ وجلّ المدعين الإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظّمة من دون الله، كما يعيب ذلك كثير ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام ... ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما شجر بين النّاس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألاّ يجدوا في أنفسهم حرجًا مما حكم ويسلموا تسليمًا) .

وقال الإمام ابن القيم في"التبيان": (أقسم سبحانه بنفسه المقدّسة قسمًا مؤكّدًا بالنفس قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكّموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كلّ القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضا والتّسليم، وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض) .

وقال ابن حزم في كتابه"الفصل"عند قوله تعالى: {اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحَ ... الآية} ، قال: (لما كان اليهود والنصارى يحرِّمون ما حرَّم أحبارُهم ورهبانُهم، ويُحلّون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، وقد دانوا بها، وسمي الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله عبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف) أهـ.

ويؤيد هذا الفهم ما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله وَالمَْسِيحَ ابْنَ مَرْيََ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، قال: (أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟) ، فقلت: بلى، قال: (فتلك عبادتهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت