والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29] .
وتربية خاصة لأوليائه حيث رباهم فوفَّقهم للإيمان به والقيام بعبوديته، وغذَّاهم بمعرفته والإنابة إليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ويسَّرهم لكلِّ خير، وحفظهم من كلِّ شرٍّ.
ولهذا كانت أدعية أولي الألباب والأصفياء الواردة في القرآن باسم الربِّ استحضارًا لهذا المطلب، وطلبًا منهم لهذه التربية الخاصة، فتجد مطالبهم كلها من هذا النوع، واستحضار هذا المعنى عند السؤال نافع جدًا للعبد.
ثم إنَّ إيمان العبد بالله ربًّا يستلزم إخلاص العبادة له وكمال الذل بين يديه، قال تعالى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة: 21] ، فكونه سبحانه رب العالمين يقتضي ألاَّ يتركهم سُدىً وهملًا لا يؤمرون ولا ينهون، بل خلقهم لطاعته وأوجدهم لعبادته، فالسعيد منهم من أطاعه وعبده، والشقيُّ منهم من عصاه واتبع هواه، ومن آمن بربوبية الله ورضي بالله ربًا رضي بما يأمُرُه به وينهاه عنه ويقسمُه له ويقدره عليه ويعطيه إياه ويمنعه منه، ومتى لم يرضَ بذلك لم يكن محقِّقًا الرِّضى بالله ربًا من كل الوجوه، وفي الحديث:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا"رواه مسلم (1) .
هذا وإن شهود العبد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تتحرّك ذرّة إلاَّ بإذنه، وأن الخلق مقهورون تحت قبضته، وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه فيه تحقيق لمقام (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) علمًا وحالًا فيثبت قدم
(1) في"صحيحه" (رقم: 34) من حديث العباس رضي الله عنه.