قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: 11] ، فالخلق أولًا ثم التصوير، كما أن الخلق أولًا ثم البري، قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: 22] .
والبرية هم الخليقة، وقد خلقهم الله فجعل منهم الكافر ومنهم المؤمن كما قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن: 2] ، فمن كان منهم مؤمنًا مطيعًا فأولئك خير البرية، ومن كان منهم كافرًا مشركًا فأولئك شرُّ البرية، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 6 - 8] .
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن شرك هؤلاء باتخاذ الأنداد والشركاء مع الله في العبادة مع أن الذي برأهم هو الله وحده أمرٌ في غاية السفه ونهاية الضلال، بل إنه أعظم الظلم وأكبر الجرم، ولهذا ذمَّ بني إسرائيل في عبادتهم العجل وجعله شريكًا مع الله، والعجل حيوان بهيم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن أن يملك شيئًا من ذلك لغيره، وأن عملهم هذا ظلم وأي ظلم، فقال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 54] ، وقال قبل هذا بآيتين: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 51] ، فالشرك أشنع الظلم وأفظعه إذ كيف يسوى المخلوق الناقص بمن أوجد الخليقة وبرأ النّسم سبحان الله عما يشركون.
قال ابن كثير رحمه الله:"وفي قوله تعالى هنا (إِلَى بَارِئِكُمْ) تنبيه إلى عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره" (1) .
(1) "تفسير ابن كثير" (1/ 130) .