إياها» [1] ، أي منعها عن المسير إلى مكة الذي حبس الفيل وأبرهة عن مكة سبحانه وتعالى، فهذا منع قدري، فعَلِم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يأذن في هذا، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قَبول الصلح، وشَرع فيه، ثم بلغه مقتل سفيره إلى أهل مكة وهو عثمان رضي الله عنه، فعندها عزم على القتال مرة أخرى وأخذ البيعة من أصحابه وهي بيعة الرضوان على ألا يفروا أو على الموت [2] ، ثم أُطْلِق عثمان وشاء الله تعالى أن يمضي الصلح. كل هذا والآية المُسْتَدل بها بل والسورة كلها (سورة الفتح) لم تكن قد نزلت بعد، وإنما نزلت عند الإنصراف من الحديبية. وكما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على القتال مرتين، الأولى عندما مَضَى فحُبِسَت ناقته والثانية عندما أَخَذَ البيعة، ومع عزمه على القتال في المرتين كان صلى الله عليه وسلم يعلم بوجود مؤمنين مستضعفين في مكة وكان يعلم بعضهم عَيْنًا وكان يدعو لهم بالنجاة [3] ، فلم يمنعه وجود المستضعفين من العزم على القتال، بل القتال واجب لاستنقادهم، لقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... ) [4] ، ولكن الله لم يأذن في القتال قدرا لا شرعا، إذ لو مُنِع شرعا (بالوحي) لما مَضَى ولما أخذ البيعة، وهذا المنع القدري لحكمة يعلمها الله تعالى منها وجود المستضعفين بمكة ومنها أن الصلح ترتب عليه نفع عظيم إذ أَمِن الناس فدخل في الإسلام أضعاف من دخله قبل، كما في الآية: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) [5] ، حتى سمى الله تعالى هذا الصلح فتحا. كل هذا في بيان أن منع القتال يوم الحديبية كان منعا قدريا.
وفي إبطال الإحتجاج بالقدر قال ابن تيمية -رحمه الله-: وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر، بل القدر يُؤْمن به ولا يُحْتَج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذرا، لزم أن لا يُلام أحد، ولا يعاقب ولا يُقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه ـ إذا ظُلِم في نفسه وماله وعرضه وحرمته ـ أن لا ينتصر من الظالم، ولا يغضب عليه ويذمّه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة، لا يمكن أحدا أن يفعله، فهو ممتنع طبعا محرم شرعا.
(1) حديث: 2731، 2732.
(2) على اختلاف، انظر فتح الباري 6/ 117.
(3) رواه البخاري: 4598.
(4) سورة النساء، الآية: 75.
(5) سورة الفتح، الآية: 25 ـ انظر فتح الباري 5/ 348.