الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) الآية، ثم قال بعدها (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) الآيات. فكيف نستدل بأول الآيات ونترك آخرها؟ ويدل على هذا المعنى مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شأن المعاهدين: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) فإن لم يستقيموا لنا كما هو حال اليهود الخائنين، فكيف نصالحهم؟ مع أن القضية في حقيقتها تطبيع وليست صلحًا." [انتهى مختصرًا] "
حين رد النبي صلى الله عليه وسلم بعض من جاءه مؤمنًا إلى قومه، أشكل ذلك على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه من إعطاء الدنية في الدين، وهو الذي أشار إليه"دلول"في معرض استدلاله بصلح الحديبية، وصرح به في موضع آخر من مقاله فقال:"بل إنه عَقَدَ صُلْحَ الحديبيةِ وعددٌ من أصحابهِ في سجونِ قريش .. ولم يستطعْ أن يشفعَ في أبي جندلٍ .. وهو الذي أفلتَ من سجنِهِ وجاء يَرْسُفُ في الحديد.".
ولكن فاته أن هذا خاصٌ به صلى الله عليه وسلم ولا يجوز القياس عليه، وفعله هذا صلى الله عليه وسلم يتعارض مع قوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) [متفق عليه] والقاعدة في مثل هذا:"أنه إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم مع فعله قدم قوله لأنه عام للأمة وأما فعله فيدخله التخصيص .."ومما يرجح تخصيص فعله صلى الله عليه وسلم هاهنا ما في الصحيح عن أنس لما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر قال: (إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) .
فقد ذكر أن من رده إليهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وهذا على القطع لا يعلم إلا بالوحي، وفي هذا دلالة على عدم جوازه من غيره لأنه لا أحد يعلم أنه سيفرج الله لمن رده إلى الكفار.
وقد ذكر الإمام ابن حزم رحمه الله شبهة من استدل بهذا الحديث على رد المسلم إلى الكافر (الإحكام 5/ 26) وذكر وجوهًا في ردها، ومما قاله رحمه الله: